أرسل إلى صديق تعليق
تصغير الخط تكبير الخط
  • سقطت بلا جثث!
    الإثنين, 21 نوفمبر 2011
    جميل الذيابي

    في دول أوروبية تتساقط حكومات بلا دماء، فيما في البلاد العربية يحضر حمام الدم أولاً. الشعوب العربية لا تكترث بما يجري هناك من مشكلات وأزمات، وإن علمت عن سوء الأوضاع الإنسانية والضوائق المالية التي تطوق إنسان تلك البلدان لا تكترث، وربما تقول «يستاهل»!

    في المقابل، تحضر إنسانية الغربي، يسأل ويتابع ويتحرّى عما يجري في بلداننا وغيرها، وعن حجم الخروقات للحقوق الإنسانية، ولنا مثال حي في المواقف الغربية لإغاثة الشعب الجائع في الصومال.

    يتابع الغربي بإعجاب «الربيع العربي»، ويعلن عن مواقف إنسانية شجاعة تساند مطالبه، ويرفض كل أنواع الانتهاكات والفظاعات المرتكبة من الطغاة والقتلة ضد المدنيين المطالبين بحقوقهم. يتحرك المتظاهر الغربي لمساندة الشعوب «المسحوقة»، ويدعم حقوقها المشروعة، عبر التفاعل والضغط لإنقاذ (الإنسان) من «جرم» الحاكم الجائر وطغيان السلطان.

    يبقى الإنسان العربي مأخوذاً بنفسه، ولا يكترث بغيره إلا في ما ندر، وإن اكترث تبقى شعاراته ملوثة بعقدة المؤامرة «المعشعشة» في رأسه وعند بقية «جوقة» رجال المخابرات والأجهزة الأمنية وشبيحة وبلطجية الأنظمة.

    في أوروبا، حتى الآن أسقطت الديون حكومات 10 دول، وعلى ما يبدو أن هناك من سيسقط خلال الفترة القليلة المقبلة، خصوصاً مع وصول تداعيات تلك الأزمة إلى شواطئ عواصم أخرى، فأخيراً أعلن رئيس الوزراء الإيطالي برلسكوني استقالته، بعد إقرار التعديلات المطلوبة أوروبياً في الموازنة الإيطالية، وبذلك يكون هو السياسي العاشر، بعد زعماء اليونان والبرتغال وإيرلندا وبريطانيا وهنغاريا والدنمارك وسلوفاكيا وسلوفينيا وإسبانيا، الذي يسقط وحكومته نتيجة لأزمة الديون في أوروبا.

    ويبدو أن «الحبل» يقترب من غارب الرئيس الفرنسي ساركوزي، ويوشك أن يلتف حول رقبته، بعد تكشف حجم الديون الطائلة على جارتيه (إيطاليا وإسبانيا).

    لا شك في أن الأزمات المالية التي عصفت بالدول الأوروبية أجبرت تلك الحكومات على الاستقالة والاستجابة للضغوط الجماهيرية، لكن تلك الحكومات في الوقت نفسه لم تكابر، وامتثلت للمسؤولية والنظم الديموقراطية، فيما في الدول العربية تمر البلدان بالأزمات تلو الأزمات، ولا يرف لحكامها جفن، ولا يفكرون إلا في الكراسي والبقاء للأبد.

    في الدول العربية ترفض الأنظمة الانصياع لمطالب الشعوب، على رغم أنها تجثم على كراسي السلطة لعقود طويلة، وتستبيح كل شيء، ولم يثر الإنسان العربي إلا بعد أن أصابته ممارساتها بالقهر والإحباط من تفشي الفساد والمحسوبيات والأكاذيب، التي لا تنتهي و «الإصلاحات» المزعومة التي بلا قيمة، فاختار بين الفقر أو القبر، وكلاهما «موت».

    في ليبيا وحدها قتل حوالى 50 ألف إنسان. وفي سورية يتجاوز عدد القتلى حتى الآن 4500 شخص، بينهم نساء وأطفال. وفي اليمن أصيب الرئيس إصابات بالغة، ولا يزال يراوغ ويصرّ على البقاء، على رغم أن قتلى وجرحى البلاد بالمئات. وفي مصر وتونس قتل نحو 600 شخص. وفي البحرين هناك أرقام أخرى.

    في البلاد العربية يتساقط الأبرياء، ثم ترفض الحكومات الاعتذار، ولا تشعر بالحزن والأسى، فيما في الدول الغربية تتساقط الحكومات، ويركل الرؤساء إلى منازلهم سريعاً على أول قطار. الفارق أن في دول الغرب استقالت عشر حكومات في هدوء، وترك الزعماء الكراسي من دون تشبث بها كما يفعل رئيسا اليمن وسورية حالياً، وقبلهما آخرون. عاد هؤلاء الأوروبيون إلى بيوتهم، ليكتبوا ذكرياتهم وقصص نجاحاتهم وفشلهم وخيباتهم، فلربما تتعلم منها أجيال، أما لدينا، فـ «يقبرون» بذكرياتهم غير مأسوف عليهم.

    النماذج «الديموقراطية» الغربية كفيلة بالاحترام في أغلبها، أما في بعض البلاد العربية، فليست هناك سوى «دول الخوف» المشيدة على البطش وقضبان «الزنازين»، و «سحق الجماجم».

    فقط... تأملوا الفارق بين الذهنية العربية الحاكمة والعقلية الغربية المسؤولة، لتعرفوا حجم الفارق. هناك بلدان يستقيل زعماؤها سريعاً بلا جثث أو دماء، فيما في دول عربية تدبر المؤامرات، وتوصف الشعوب بـ «المهلوسين» و «المندسين» و «المسلحين» بسبب المطالبة بالحقوق والرغبة في العيش بحرية وكرامة ليس إلا! أليست الإجابة ناصعة؟

    يجب ألا نفرح في حال مقارنة ما حققته الثورات العربية، حتى وإن كانت تستحق الاحتفاء والغناء، فعندما تقارن ثوراتنا المتزامنة بما يحدث في أوروبا من سقوط 10 حكومات بلا أشلاء أو دماء، يحضر الصمت وتسقط لوحة الفسيفساء الكبيرة لتصغر في الأعين التي لم تر المشاهد الأخرى. ابحثوا عن الدروس في الديموقراطية هناك. إنها عريقة لا مسروقة، ولم تخرج الجماهير في الساحات «لتهذي» بالشعارات وترفع اللافتات كذباً ونفاقاً، خشية التغيير أو بسبب الرعب والخوف.

أرسل إلى صديق تعليق
تصغير الخط تكبير الخط

اضف تعليق

بريدك الإلكتروني لن يظهر علناً احتراماً للخصوصية