أرسل إلى صديق تعليق
تصغير الخط تكبير الخط
  • ربما - أين الطريق؟
    الإثنين, 05 ديسيمبر 2011
    بدرية البشر

    في مطلع القرن التاسع عشر عاش الأخوان «جريم» في كاسل الألمانية، وتعود شهرتهما إلى أنهما قاما بجمع الحكايات الشعبيّة الألمانية، وبقيا طوال حياتهما يتنقلان من ولاية ألمانية إلى أخرى لجمع الحكايات التي ترويها النساء الألمانيات لأطفالهن حول المدافئ في البيوت والأكواخ، وقاما بنشر هذه الحكايات بين عامي ١٨١٢ و١٨١٥ ميلادية، ومن هذه الحكايات كانت حكايات بياض الثلج والأقزام السبعة وسندريلا وذات الرداء الأحمر. وقد ترجمت هذه الحكايات إلى ما يزيد على ١٤٠ لغة. من يعرف هذا التاريخ من الباحثين في علم الأنثربولوجي والفولكلور العالمي، لا يعرف أن هناك رجلاً من وسط نجد لم يسمع بجهد الأخوين جريم، لكنه قام بجهد مماثل في منتصف القرن العشرين، وقام بجمع الحكايات الشعبية المحيطة بمنطقته، وكذلك الأمثال الشعبية، وقد كان يعِدُ من يجلب له مثلاً جديداً أن يمنحه ريالاً، وكان مبلغاً كبيراً في ذلك الوقت.

    عبدالكريم الجهيمان ترك خمسة مجلدات تضم سلسلة طويلة من الحكايات الشعبية التي سمعها من الناس بنفسه، أو عن طريق وسيط. عبّرت هذه الحكايات عن واقع نجد الاجتماعي في ذلك الوقت، ووفرت لدارسي المجتمع مادة وفيرة وغنية، وكنت أنا واحدة ممن استفاد من هذه المجلدات في بحثي الاجتماعي «تاريخ نجد من خلال حكاياتها الشعبية».

    الطريف في الأمر أن من بين الحكايات النجدية حكاية مشابهة لسندريلا، هي حكاية الفتاة اليتيمة وطائر القطاة، لكن الراوي المحلي ألبسها ثياب المجتمع المحلي، وأسبغ عليها ثياب الواقعية بما يتوافق مع محليتها. ويفسّر علماء الاجتماع عبر مدارس مختلفة تشابه بعض الحكايات عند شعوب العالم قبل توافر وسائل الاتصال الحديثة بأسباب عدة، منها الحاجة الإنسانية المتشابهة للحكايات الشعبية من باب الترفيه عن الأطفال والكبار، واستخدامها كعامل تربوي يعتمد أسلوب الحض والترغيب غير المباشر.

    عبدالكريم الجهيمان، وكما سمي سادن الأساطير، لم يكن هذا هو جهده الوحيد الذي آمل ألا يبتلعه النسيان. فهو رجل كان هاجسه البحث عن الطريق عبر بوابة العلم والمعرفة والحقيقة التي قال عنها إنها ابنة البحث. عبدالكريم الجهيمان الذي تناوب كتابة مقال «أين الطريق» هو وحمد الجاسر رحمهما الله، شق طريقاً غير معبد تكلف فيه الكثير، عبر جريدة اسمها «أخبار الظهران»، تبنّى مسؤولية نشر مقال يدعو إلى تعليم البنات، داحضاً مقولة إن البقاء في الجهل يجنبهن المزالق، وإن العلم يوقعهن في الشرور. فدخل السجن ١٩ يوماً، وغُيّبت الجريدة عامين من المنع. هذا الحديث كان منذ خمسين عاماً تقريباً. وهذا الرجل الذي دخل السجن لأنه دعا إلى تعليم ابتدائي للبنات عاش عمراً طويلاً ناهز المئة عام، ليشاهد بناته ومن هن في سن حفيداته يسافرن إلى الجامعات العالمية في أميركا وأوروبا ويدرسن، ويطببن ويعلمن في المعامل والمختبرات. طريق طويل أنعم الله على عبدالكريم الجهيمان أن يعيشه، ليرى كم صار بعيداً ذاك الأمس الذي كان، لكنه عاش محدوديته وتمييزه ضد النساء وعدم حياديته، ليرى أن الواقع تغير وتغير معه الطريق الذي سأل عنه.

    الأخوان جريم اللذان جمعا الحكايات الألمانية خُلد جهدهما بمتحف في مدينة كاسل يعرف باســـم متــحف الأخوين جريم. يحفظ هذا المتحف ذاكرتهما التي هي ذاكرة الناس وطريقة عيشهما، الأجيال المقبلة والباحثون بحاجة لأن ينقذ أحد ذاكرة الجهيمان التي أخلص لها قرناً من الزمان، كي يعبروا هذا الجسر.

    [email protected]

أرسل إلى صديق تعليق
تصغير الخط تكبير الخط

تعليقات

ربما - أين الطريق؟

ما اجمل ان يكون الإنسان راضيا عن نفسه وعبدالكريم الجهيمان مات راضيا عن نفسه وعما قدمه خلال حياته وادعو الله العلي القدير ان يتغمده برحمته وان يتجاوز عن خطاياه وان يسكنه فسيح جناته .. عبدالكريم الجهيمان لم يكن طامعا ولا باحثا عن منصات التتويج ودروع واوسمة التكريم ، والدوله في عهد الملك فهد رحمه الله كرمته في نفس اليوم الذي كرم فيه المرحوم حمد الجاسر الشيخ عبدالله بن خميس ، كما تم اختياره لجائزة الدوله للأدب في مهرجان الجنادرية .. وعودا لأين الطريق .. عبدالكريم الجهيمان وجد الطريق وحاول جاهدا ان يريه للآخرين

ربما - أين الطريق؟

يستحق الاستاذالكبيرعبدالكريم الجهيمان هذة الكلمات وأكثر من ذلك بكثير
ولاأدري إلى متى نبقى لانكرم من يستحق التكريم الابعد أن يواريهم الثرى
كل الشكر والتقدير للكاتبة على هذة اللفتة

ربما - أين الطريق؟

السيدة المحترمة بدرية البشير مقالتك بعنوان ربما اين الطريق كانت مثيرة للاعجاب و ما طرح فيها من موضوع نشكر جهدك ولكن اين هم خلفاء الاستاذ عبد الكريم الجهيمان في العلم التربوي و الفني و الادبي بل ارجو طرح سؤال عليك عمل الاستاذ عبد الكريم الجهيمان في جمع القصص و الحكايات الادبية الا يستحق تكريمه بمسلسل كرتوني لاطفال العرب من اجل الشخصية العربية وتنميتها بداخلهم علك كل حال شكرا لك

اضف تعليق

بريدك الإلكتروني لن يظهر علناً احتراماً للخصوصية