أرسل إلى صديق تعليق
تصغير الخط تكبير الخط
  • العم إبراهيم
    السبت, 14 يناير 2012
    مصطفى زين

    من يشبه الآخر؟ مصر أم إبراهيم أصلان؟

    الجميع لاحظ التطابق بين الصديق الراحل إبراهيم أصلان وبلده: الهدوء المتأمل. الحكمة المترسخة. الأمل، السخرية، الفرح، الضحك، حسن الإصغاء، اللامبالاة. كل ذلك على تناقضه اجتمع في العم إبراهيم. هو الهامشي بامتياز. موجود في قلب الحركة الثقافية بقوة، لكنه خارجها. بعيد عنها مسافات. لم تغره الأضواء. عاش ابن بلد ومات ابن بلد. زار باريس مرة لحضور ندوة عن الرواية. عاد منها مبهوراً بما رأى كأنه الطهطاوي. لكنه كان حزيناً. حزن لأن الباريسيين كانوا ينتظرون أن يستمعوا إلى قاص وروائي من العالم الثالث قصصه عجائبية. لم يقدّروا معاناته مع اللغة أو الأسلوب، أو طموحه إلى التطوير، مثله مثل أي روائي آخر من بلدهم. حزن لأنهم لم يقدروا فنه مثلما هو. كانوا يريدون منه شيئاً يؤكد نظرتهم النمطية إلى العالم الثالث ومثقفيه، فإذا بهم أمام قاص همومه فنية.

    قصص العم إبراهيم من تفاصيل الحياة اليومية. ينسج منها مقولات كبرى، من دون ادعاء أو تنظير فلسفي. تحار كيف استطاع ان يحمّل اللغة البسيطة، لغة الشارع والحي والمحلة (عامية في أحيان كثيرة) هذه القضايا الكبرى. عندما سألته عن ذلك مرة، قال ببساطته المعهودة إن البسطاء يعيشون ويموتون ويعبرون عن هموم وجودية أيضاً. لا أبطال في قصصه. عالم الشخوص المادي والنفسي هو البطل. الشيخ الأعمى في «الكيت كات» (حي شعبي في منطقة أمبابة بالقاهرة) يلخص حال المبصرين أكثر من حال العميان. هم يتألمون مثله لكنهم لا يدركون معنى آلامهم لذا ابتدع أساليب كثيرة للهرب ولم يستطيعوا. لم يمنعه واقعه من المغامرة. امتطى دراجة نارية وانطلق بها كأنه مبصر. قاد كفيفاً في رحلة نهرية. غنى. رقص. ضحك. عشق. خان. بكى. تحدث في الدين. افتى. خالف الفتاوى والأعراف... ثم مات وهو يهزأ من نفسه ومن الآخرين، ومن الحياة.

    أطلق إبراهيم أصلان، والراحل خيري شلبي، مدرسة في «أدب الحياة»، على اختلاف أسلوبيهما. لم يهتم اي منهما بالتنظير. لم يدّعيا التغيير. نقلا ما في محيطهما من دون أن يكونا مرآته. كانا أبعد ما يكون من «الثقافة» بمعناها الكتبي. العم إبراهيم كان مقلاًّ. يصطاد مئات الحكايات والحوادث لينسج لقطة واحدة يحولها إلى قصة قصيرة أو حكاية، بينما العم خيري كان بارعاً في نسج مئات الصفحات من مشهد واحد. لكنه كان مثله بعيداً من المدرسية. كان يحلو له القول إنه يكتب في المقابر. وكان العم ابراهيم يذكّره بأحداث لم تقع فيستفيض في سردها. كنت تشعر بأنهما عائدان للتو من العهد المملوكي، أو ما قبله، لكنهما حديثان أكثر من مدّعي الحداثة والتغيير.

    كانت السياسة للتسلية المرة لدى ابراهيم أصلان. سئل مرة عن رأيه في مبارك وسياسته، وكان السائل متحمساً يريد أن يستمع إلى رأي مصري غير حزبي. فما كان من إبراهيم إلا أن قال له بصوته الأجش، بعد أن مسد شاربيه الكثين: أنا أنتظر لحظة يبدأ مبارك في ترك شيء من شعره من دون صباغ بالأسود لأعرف كم سنة سيستغرق لأعرف كيف سيكون مظهره بالشعر الأبيض. يا صديقي من يصبغ شعره يصبغ كل شيء.

    غاب العم ابراهيم لكنه موجود في كل حي من أحياء القاهرة عدا الأمكنة السياحية، فكم كان يبتعد عنها ولا يطيق الصباغ.

أرسل إلى صديق تعليق
تصغير الخط تكبير الخط

اضف تعليق

بريدك الإلكتروني لن يظهر علناً احتراماً للخصوصية