أرسل إلى صديق تعليق
تصغير الخط تكبير الخط
  • حوار موسكو والحل الأمني
    الاربعاء, 01 فبراير 2012
    عبدالله إسكندر

    الحكم السوري يروّج لرغبته في حوار داخلي مع من «لم تتلطخ أيديهم بالدماء» على مستوى المحافظات، وبذلك يستبعد هذا الحكم من الحوار جميع الذين يناهضونه في الشارع، سواء بالتظاهر او بحمل السلاح، كما يستبعد المعارضة السياسية، سواء كانت من الداعمين للحركة الاحتجاجية ومطالبها او من الداعين الى حماية السكان بكل الوسائل. وتالياً، باتت تقتصر الدعوة الى مثل هذا الحوار على الذين لا لزوم للتحاور معهم، لأنهم من اهل البيت او من الذين تربوا فيه.

    المعارضة السورية، خصوصا المجلس الوطني، تعلن استعدادها للحوار بعد تنحي الرئيس، الذي يكرر الإعلان أنه جاء برغبة الشعب، وانه باق للتصدي للمؤامرة.

    هكذا يبقى الحوار الذي يجري الحديث عنه في سورية بين طرفين يستبعد أحدهما الآخر سلفاً. وهذا هو جوهر الدعوة التي أطلقتها موسكو من أجل استضافة هذا الحوار، فهي أعلنت جواباً إيجابياً على دعوتها من دمشق، لكنها لم توضح ماذا فهم الحكم السوري من الدعوة، ومع من سيتحاور. كما ان المجلس الوطني، وفي الوقت الذي يقول فيه انه لم يتلق دعوة الى هذا الحوار، اعلن انه لن يشارك.

    وفي هذا الاطار، لا تكتسب الدعوة الروسية ايَّ معنى فعلي، ليس فقط لغموضها، وانما ايضا لتوقيتها. وما كان على المجلس الوطني ان يدخل في دهاليز الديبلوماسية الروسية التي تفقد مع مرور الوقت صدقية موقفها من الوضع السوري. لقد اطلقت موسكو فكرة الحوار بعد وصول مبادرة الجامعة العربية الى الامم المتحدة، أي بعدما انخرط العرب في خريطة طريق تفضي الى حل على الطريقة اليمنية، وهو الأمر الذي كثيراً ما طالبت به موسكو. وعندما تحقق هذا الامر، عادت موسكو الى مسألة الحوار الغامض من اجل إفشال الحل العربي الذي كانت تطالب به.

    هذا المسعى الروسي الذي يتطابق حتى الآن مع الموقف السوري الرافض للحل العربي، لأنه يعتبره تنفيذاً لمؤامرة، لا يشجع دمشق على الاستمرار في سياستها الحالية في ادارة الازمة، وإنما يحمي الوضع الراهن في سورية ويطيل أمده.

    يتميز الوضع الراهن بالحل الامني، الذي تعتبره دمشق مطلباً شعبياً. ويأتي التصعيد العسكري في أماكن عدة في البلاد من اجل ضرب بؤر الاحتجاج. لكن الواقع على الارض، كما ظهر في الايام الماضية، ان الحل الامني الذي قد يزهق مزيداً من الارواح لم يتمكن من الحد من الاحتجاج في البؤر المستهدفة، لا بل ان المواجهات مع المنشقين عن الجيش الذين انضموا الى الحركة الاحتجاجية باتت معارك كرّ وفرّ، فما ان تُحكِم القوات الحكومية سيطرتها على بؤرة حتى تنفجر اخرى، وليعلن المحتجون «تحرير» بؤر جديدة. ولا يتطلب الامر خبرات استثنائية لملاحظة ان الجيش الحكومي المقاتل في داخل البلاد أصيب بالإعياء نتيجة توسع رقعة انتشاره وعملياته وبفعل نزف الانشقاق، وأنه بات يواجه مجموعة منشقة عنه، أي تملك حداً من الخبرة العسكرية واطلاعاً على طريقة التفكير العسكري السوري. وإذا لم يحصل توازن على الارض حتى الآن، فعلى أقل تقدير خسرت القوات الحكومية القدرة على الحسم العسكري الذي هو آلية الحل الامني. لتتكرس معادلة تطيل بدورها أمد الازمة، مع كل ما ينطوي عليه ذلك من كوارث انسانية واقتصادية، وكذلك من تفكك في النسيج الاجتماعي للبلاد.

    لقد كانت الدعوة الى الحوار من موسكو بمثابة الوجه الآخر لاعلان الحل الامني من دمشق. والسؤال يبقى: الى متى ستظل موسكو توفر غطاء الوقت لحل أمني باتت دمشق عاجزة عن تأمين عناصره؟

أرسل إلى صديق تعليق
تصغير الخط تكبير الخط

اضف تعليق

بريدك الإلكتروني لن يظهر علناً احتراماً للخصوصية