أرسل إلى صديق تعليق
تصغير الخط تكبير الخط
  • بين «التبجيل» والموضوعية الإعلامية شعرة مهنية في «الصحف القومية» المصرية
    الإثنين, 06 فبراير 2012
    القاهرة – أمينة خيري

    صحـــافــــيو الصحف القومية هل هم جنود مجهولون عانوا، طوال عقود، من قصف القلم على يد النظام، واضطروا إلى مناهضته؟ أم إنهم أفراد مأجورون بنوا تاريخهم المهني على أنقاض تغييب شعب؟

    على رغم مثول الرئيس المصري السابق حسني مبارك ونجليه أمام محكمة عادية تنظر في ما اقترفوه من أفعال، فإن جيوش الصحافيين العاملين في المؤسسات الحكومية ماثلة منذ «ثورة 25 يناير» 2011 أمام محاكم شعبية ثورية تطبق عليهم تارة حدَّ الخيانة الإعلامية، وتارة أخرى عقوبة الإخلال بشرف المهنة، وثالثة ترأف لحالهم وتطالب بالعفو عنهم باعتبارهم ضحايا في ماكينة الإعلام الرسمي، وليسوا جناة!

    المؤكد أنهم اضطروا، في شكل أو في آخر، إلى العمل في هذه المؤسسات: منهم من نجا بنفسه بهامش من الحرية، ومنهم من سلم نفسه تماماً إلى مقصلة الرقيب الافتراضي الذي عاش وتوغل في داخل كثيرين. ومنهم من ظل، وما زال، يتأرجح بين سقف حرية سمح بها النظام السابق ولا يمكن إنكارها، وبين سقف رقابة ذاتية نما في داخل الغالبية المطلقة من المصريين.

    الرقابة الذاتية في داخل المصري تأتي من ضمن الآثار الجانبية التي خلفتها أنظمة الحكم المتعاقبة على مصر، لكن جاء معها قارئ بالغ الذكاء يقرأ ما بين السطور، طالما اعتمد عليه الكاتب لتمرير ما يود تمريره! أحد أولئك هو الكاتب الصحافي نائب رئيس تحرير جريدة «الأهرام» اليومية نبيل عمر الذي ما زال يتذكر نصيحة الكاتب الكبير صلاح حافظ له: «الصحافي الشاطر هو من ينجح في تمرير الفيل من خرم الإبرة»!

    وعلى رغم الخروم الكثيرة للـ «إبرة» في الصحافة القومية المصرية، فإن ذلك لم يؤثر سلباً في صدقية عمل عمر. «أخذت عهداً على نفسي منذ بداية عملي في الصحافة أن أمتنع تماماً عن الكتابة في حال شعرت بأنني لن أتمكن من قول الحقيقة».

    عهد آخر أخذه أحدهم على نفسه، لكنه عهد بألا يتحدث إلى أي وسيلة إعلامية، على رغم أنه شخصياً ينتمي إلي الإعلام قلباً وقالباً، بل وشغله الآلة الإعلامية الخاصة والقومية والحزبية بسبب كتاباته الذائعة الصيت. فمنذ كتب رئيس التحرير السابق لـ «أخبار اليوم» ممتاز القط في عموده إبان النظام السابق عـن «طشة الملوخية» ذات رائحة الثـوم الـنفـاذة المحروم منها الرئيس السابق مبارك لكونه مضطراً إلى خوض حياة غير عادية بسبب ضغوط المنصب، والجميع يتـنـدر بـمـا كـتب. وطــيلة فترة تـرؤس القـط تحرير هذه المطبوعة الأسبوعية القومية العريقة، كانت كتاباته غارقة في عشق النظام، وتحديداً الرئيس السابق. وربما هذا ما دفعه إلى الانزواء جانباً مفضلاً عدم الظهور، ومن ثم عدم التعرض للنـقد الـلاذع. يقول: «وعلى رغم ذلك، لا يعجبهم العجب. إن ما يحدث الآن في الوسـط الإعلامي فوضى وليست حرية».

    لكن مفهوم الحرية داخل المؤسسات الصحافية القومية، قبل الثورة وبعدها، أبعد ما يكون عن التوافق بين أبناء تلك المؤسسات. الكاتب الصحافي في مجلة «روز اليوسف» القومية الأسبوعية وائل لطفي يقول إن بيئة العمل لم تتغير كثيراً بالنسبة إليه قبل الثورة وبعدها. «كنت أكتب في المناطق المشتركة بيني وبين إدارة المجلة، همي الوحيد كان وما زال دعم الدولة المدنية. ودائماً كان عندي موقف من الإسلام السياسي».

    وهو يؤمن بأن القيود التي كانت مفروضة على ممارسة الكتابة الصحافية داخل المؤسسات القومية اختفت بعد الثورة، وبأن قيوداً جديدة من نوع آخر خرجت من رحمها، «بعضها نابع من الصحافي نفسه الذي لا يود إغضاب الجهة «المالكة»، وهي اليوم المجلس الأعلى للقوات المسلحة. ويعتقد بعضهم الآخر بأن الجهة المالكة في مصر بعد الثورة والانتخابات هي جماعة «الإخوان المسلمين» وذراعهم السياسية حزب «الحرية والعدالة». لذا، لن يعمد إلى إغضابها».

    وعلى رغم ذلك، فإن لطفي ما زال قادراً على رؤية جانب إيجابي، فـ «الحصول على معلومات عن السلفيين والإخوان بات سهلاً بعد ما كان شبه مستحيل (في العهد السابق). كما أنهم بدأوا يتعاملون ويتحدثون بمفردات الديموقراطية، وهو ما قد يخلق بيئة مناسبة للحوار. من يعلم؟!».

    ويضيف ضاحكاً: «كان انتقاد الرئيس السابق (مبارك) من المحرّمات في الصحف القومية، أما حالياً فيمكن شتم مبارك الذي بات رأس الدولة السابق، فيما لا يمكن المساس برأس الدولة الحالي، وهذه هي القاعدة المعمول بها في الصحافة القومية، بصرف النظر عن كينونتها».

    أما معضلته الخاصة والتي تكمن في معارضته فكرة الإسلام السياسي، فربما يمكن حلها من خلال انتقاله إلى صفوف الصحافة الحزبية المعارضة.

    صحافيون آخرون يقومون عملهم المهني داخل المؤسسات القومية قبل الثورة، تحت بند «المعارضة». ويرى الصحافي أيمن الشندويلي أن «مهنة الصحافة عموماً تعاني نقصاً في معايير المهنية والموضوعية أكثر من معاناتها في شأن قلة الحرية».

    وعلى النقيض، فإن الصحافية في مجلة «نصف الدنيا» (الصادرة عن «مؤسسة الأهرام» القومية) عزيزة فؤاد ترسم صورة شبه وردية للصحافة داخل المؤسسات القومية قبل الثورة، سواء من حيث هامش الحرية أم الموضوعية ومعايير المهنية. تقول فؤاد: «لم أواجه أية قيود على عملي في المجلة قبل الثورة. صحيح أنه كانت هناك قضايا وملفات شائكة كنت أود الخوض فيها، لكن ذلك كان شبه مستحيل، ومنها مثلاً انتهاكات حقوق الإنسان التي كانت تقوم بها الشرطة. وعلى رغم ذلك، كانت هناك وسيلة الكتابة المستترة، والحذق يفهم».

    ليس هذا فقط، بل إن فؤاد ترى أن الاختلاف الحقيقي في الصحافة القومية حدث بعد الثورة، علماً أن الاختلاف الذي تلمح إليه ليس محموداً. «أظهرت الصحافة وجهاً مزدوجاً. فغالبية الصحافيين حالياً تود إرضاء الرأي العام، وتسير في كرنفال الاحتجاج والاعتصام والاعتراض معتمدة في ذلك على ثقافة تهييجية وتحريضية. حتى استخدام الصور بات فيه مقدار كبير من المهانة والبعد من المهنية تحت شعار «القارئ عايز كده»!

    وتضيف: «الجميع يتعامل مع عصر مبارك حالياً، وكأنه لم تكن فيه ميزة واحدة. لم يقدر له أحد أنه استجاب لضغوط الشعب بعد 18 يوماً فقط. ثم إنني أعارض تماماً تسمية البعض في المؤسسات القومية بالفلول، لأنهم حتى وإن كانوا كذلك فهم في النهاية مصريون أيضاً».

    لكن المصريين عموماً ما زالوا يوجهون سهام النقد اللاذعة تجاه الصحافة القومية التي يرى بعضهم أنها ما زالت تقوم بدور مداهن لمن هم في السلطة على حساب الصدقية! يقول الشندويلي إن «... من كان ينافق مبارك بالأمس القريب... يطبل اليوم للمجلس العسكري!».

    تعدد الآراء والمواقف في داخل مؤسسات الصحافة القومية لا يفسد للود قضية، إلا أن تباين المواقف والاتجاهات لدور الصحافة القومية في مصر الجديدة بعد الثورة قادر على إفساد كل ودّ للقضية. فهناك من يرى ضرورة الإبقاء على الوضع الراهن مع إضفاء بعض الرتوش البسيط، وثمة من يرى حتمية نسف المنظومة وخصخصة تلك المؤسسات أو تحويلها إلى هيئة تشبه «هيئة الإذاعة والتلفزيون البريطانية» (بي بي سي)، وهناك من يؤكد ضرورة إجراء إصلاحات جوهرية في الشكل والمضمون، ما يعني وقوع ضحايا كثر تعج بهم غالبية تلك المؤسسات. وفي كلا الوجهتين... ثمة عقبات كثيرة واعتراضات، وربما اعتصامات.

أرسل إلى صديق تعليق
تصغير الخط تكبير الخط

اضف تعليق

بريدك الإلكتروني لن يظهر علناً احتراماً للخصوصية