أرسل إلى صديق تعليق
تصغير الخط تكبير الخط
  • أليس فيهم رجل رشيد؟
    الثلاثاء, 07 فبراير 2012
    عبدالعزيز التويجري *

    لم يعد مقبولاً النأيُ عن الخوض في القضايا السياسية المعقدة، بدعوى الالتزام بأصول التخصص، وبزعم أن الأكاديميين لا شأن لهم بالسياسة. فتلك دعوى مردودة وزعْمٌ باطل؛ لأن الفصل بين السياسة والعلم والثقافة والعمل الأكاديمي، لا يكون وارداً في جميع الأحوال، خصوصاً حينما تكون المسألة السياسية المطروحة بإلحاح، تكتسب طابع الخطورة المحققة على الإنسان، وعلى الأرض، وعلى المحيط الإقليمي، بل على الأمة بأسرها، إن لم يكن على العالم كله.

    فلم تصل خطورة الوضع في بلد شقيق له في أعناقنا دينٌ مستحق، لأنه مصدر للإشعاع الثقافي والحضاري الممتد عبر القرون، إلى هذا المستوى الرهيب، كما هو الشأن في سورية اليوم، فإن المرء، وإن لم يكن معنياً بالدرجة الأولى بالمسائل السياسية، لا يملك أن يقف موقف المحايد، أو موقف المنعزل، أو موقف المتفرج. ففي ذلك خيانة لأمانة العلم التي يحملها، ونكوص عن النصح، وعزوف عن دق ناقوس الخطر بالوسيلة الوحيدة التي يمتلكها، وهي القلم الذي ينبغي أن يسخر للدعوة إلى السلام، وإلى حقن الدماء، وإلى إغاثة الملهوف، وإلى فضح الجرائم التي ترتكب ضد المواطنين العزل الذين يخرجون للشوارع والميادين، يطالبون بحقوقهم المشروعة في الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية.

    إن ما يجري في سورية، البلد العريق الذي نحبه ونتمنى له الخير، هو مأساة كبرى بكل المقاييس الأخلاقية والإنسانية والسياسية، وهو بالمقياس الأمني كارثة عظمى تدفع بالبلاد نحو الانزلاق إلى مستنقعات الحرب الأهلية، وإلى مهاوي الاقتتال الطائفي الذي يخدم مخططات أجنبية إقليمية ودولية. وتلك جريمة ضد الإنسانية ما في ذلك أدنى شك، لا يحق لمن في قلبه ذرة من الإيمان بالقيم السامية والمبادئ النبيلة، أن يتجاهلها، أو يعرض عنها، أو يتخذ بشأنها موقفاً يتعارض مع تلك القيم والمبادئ. ولا يجوز تبرير هذا الفعل السلبي، اياً تكن الأسباب والدواعي.

    لقد فشلت جهود جامعة الدول العربية في إقناع القيادة في سورية، بوقف نزيف الدم، وبالعدول عن الحل الأمني المدمّر الذي لم يجد فتيلاً حتى الآن، والذي لم يزد الوضع إلا تفجيراً وتدميراً وانهياراً. فالعنفُ يولّد العنف المضاد. والموقف الطبيعي الذي كان يتوجب على جامعة الدول العربية اتخاذه، هو وقف بعثة المراقبين، لا تمديد عملها شهراً آخر. ولكن يبدو أن المنظمة الإقليمية العربية، تفكر بطريقة مختلفة، وتخضع، ربما، لاعتبارات غير معلومة، وتراعي حسابات ليست معروفة على وجه اليقين. وتلك مأساة أخرى من المآسي التي يعاني منها العمل العربي المشترك، كما يعاني منها العمل الإسلامي المشترك في إطار منظمة التعاون الإسلامي، التي كان ينبغي لها أن تبادر إلى عقد اجتماع طارئ لمجلس وزراء الخارجية، لتدارس الوضع الخطير، وللبحث عن الوسيلة المجدية التي تشارك بها في إنقاذ الشعب السوري من القتل والاختطاف والتعذيب وشتى صنوف المعاناة القاسية، ولإنقاذ الدولة السورية نفسها من السقوط والانهيار.

    إن الحالة السورية الآخذة في التدهور ساعة بعد ساعة، وليس يوماً بعد يوم، تدعونا، نحن النخب الفكرية والثقافية والأكاديمية العربية، إلى التحرك السليم في الاتجاه الصحيح، لمناشدة القيادة في سورية الوقفَ الفوريَّ للقتل المجاني العبثي - وكدت أقول البعثي - الذي يسقط ضحيته كل يوم من دون انقطاع، العشرات من المواطنين السوريين، ومنذ نحو أحد عشر شهراً، وللإهابة بالنظام السوري لمراجعة حساباته، التي ثبت أنها حسابات خاطئة، وللعمل سريعاً من أجل الحفاظ على الدولة السورية من مخاطر التفكيك والتمزيق والتقسيم التي لم تعد موضع شك، لأن كل ما يجري على الأرض، يؤكد أنها مخاطر حقيقية وليست افتراضية.

    إذا استمرت الأوضاع في سورية على هذا النحو المتواصل من التردّي الذي لا مثيل له، فإن البلاد ستقع فريسة لكوارث عديدة، ليس أخطرها انفراط عقد الدولة وتقسيمها إلى كيانات متضاربة، سيكون من آثارها نشوب حرب أهلية مدمرة تمتدّ آثارها إلى المدى البعيد، وتزجّ بالإقليم في أنفاق مظلمة لا مخرج منها. وهو الأمر الذي سيحقق حلماً طالما راود آباء الصهيونية وزعماء إسرائيل، ألا وهو تمزيق المنطقة العربية، وإضعاف شعوبها وكسر إرادتها وإذلالها، حتى تكون الدولة العبرية هي سيدة الموقف القوية القادرة على التحكم والسيطرة والهيمنة وإملاء الشروط. وهذا هو الهدف الذي تشترك قوى إقليمية ودولية مع إسرائيل، بقصد أو من دون قصد، في العمل من أجل تحقيقه.

    فهل تغفل القيادة في سورية عن هذا المصير الذي بات قاب قوسين أو أدنى؟ هل غابت هذه الحقيقة المرعبة عن القيادة السورية؟ أليس فيها رجل رشيد؟

    إن سورية التي لها تاريخ حافل في الحضارة العربية الإسلامية، والتي نشأت أجيال من أبناء الأمة على إبداعات الرواد من علمائها وفقهائها وأدبائها وأساتذتها، تتعرض اليوم للكارثة التي لم تتوقف منذ أن اندلعت نيرانها في آذار (مارس) الماضي. وهي كارثة لن تكون محدودة الرقعة محصورة لا تتعدى الحدود إلى الإقليم كله. فهي تهمنا نحن جميعاً، وتقتضي منا أن نتحرك في أسرع وقت، ولا نجمد عند الموقف الذي اتخذته جامعة الدول العربية والذي لم يحقق هدفاً، ولن يحققه، لأنه موقف ضعيف ومتردد، وتدور حوله علامات استفهام كثيرة تحار منها عقول الحريصين على سلامة المنطقة وحماية كياناتها من التصدع والوقوع فريسة لهيمنة الطامعين من كل مكان.

    * أكاديمي سعودي

أرسل إلى صديق تعليق
تصغير الخط تكبير الخط

اضف تعليق

بريدك الإلكتروني لن يظهر علناً احتراماً للخصوصية