أرسل إلى صديق تعليق
تصغير الخط تكبير الخط
  • سنوات الجمر
    الإثنين, 13 فبراير 2012
    غسان شربل

    تمشي سورية على الجمر منذ شهور. الفيتو الروسي يطيل رحلتها هذه. توسيع الاقتحامات يعمق الأزمة. مداولات الوزراء العرب كشفت محدودية الطب العربي. ظهرت على أرض سورية خطوط تماس متشابكة. خطوط تماس داخلية وإقليمية ودولية. سورية التي كانت لاعباً تحولت ملعباً. سورية التي كانت تصدر الجمر تكتوي الآن بلهيبه. ثمة من بدأ يتحدث عن نزاع طويل على «الساحة السورية». تسمية الساحة تنذر بالكثير من الضحايا والآلام. يصعب ضبط النار السورية داخل حدود الخريطة. لبنان السائر على الجمر منذ أعوام يبدو في طليعة المهددين بتلازم الحريقين. لا أقصد أبداً أن العراق بعيد من جاذبية الالتهاب.

    شعرت بقلق شديد وأنا أقرأ خبراً عن اشتباكات في مدينة طرابلس في شمال لبنان. نقلت وكالة «فرانس برس» عن مصدر أمني لبناني ما حرفيته أن «سنياً وعلوياً قتلا كما توفيت امرأة سنية في الثالثة والعشرين من حي باب التبانة متأثرة بجروح أصيبت بها السبت نتيجة صدامات مستمرة منذ الجمعة بين مجموعة من حي جبل محسن (العلوي) وأخرى من باب التبانة (السني) بالرصاص والقذائف الصاروخية». وسمعت على الشاشات شهادات تفيد بأن أهل جبل محسن يجاهرون بوقوفهم بلا هوادة إلى جانب النظام السوري في حين يجاهر جيرانهم في باب التبانة بوقوفهم ضده. ولا حاجة إلى التذكير بأن ما يفصل بين الحيين هو ممر بعرض حفنة أمتار تحول خطاً للتماس يحمل الموت إلى المقيمين على طرفيه كلما اشتعل.

    لا يحتاج المتابع إلى قراءة هذا الخبر لإدراك حجم التفكك الذي يضرب لبنان. أحدث أمواج التفكك هذه انطلقت لحظة اغتيال الرئيس رفيق الحريري قبل سبع سنوات. انقسم اللبنانيون حول الموقف من سورية التي اضطرت إلى سحب جيشها من لبنان بفعل ضغوط قسم من الشارع اللبناني وضغوط إقليمية ودولية. تعمّق التفكك حين اختار «حزب الله» السير ضد المحكمة الدولية في جريمة الاغتيال وصولاً إلى رفض تسليم من اتهمتهم بالضلوع في الجريمة. للمرة الأولى صار الانقسام السني - الشيعي في لبنان واضحاً وصريحاً وحاداً.

    أدى اغتيال الحريري إلى تغيير عميق في موقف الغالبية الساحقة من أبناء الطائفة السنية في لبنان. رفعوا شعار «لبنان أولاً» وتراكمت مشاعر الغضب لديهم حيال النظام السوري. تغير موقفهم من «حزب الله» وصاروا يعتبرون سلاحه مصدراً للاستقواء الداخلي بعدما اعتبروه سابقاً ضمانة لمقاومة إسرائيل.

    أعطى التحسن الذي طرأ على العلاقات السعودية - السورية آمالاً بوقف الانزلاق نحو الاحتراب. وهكذا شهدنا ولادة ما اصطلح على تسميته بالـ «س.س». ورأينا رئيس وزراء لبنان سعد الحريري يزور دمشق مرات عدة ويجري محادثات مع الرئيس بشار الأسد. لكن قرار إقصاء الحريري وقلب الأكثرية النيابية بالإكراه أدى إلى إعادة إطلاق رياح التفكك اللبناني واستئناف سنوات الجمر. ثمة من يعتقد بأن إيران لعبت دوراً فاعلاً في الدفع باتجاه هذا القرار الذي سمم علاقات سورية بكل من السعودية وقطر وتركيا وفرنسا.

    بعد وقت قصير من ذلك القرار المتسرع المكلف ضرب «الربيع العربي» سورية. بدأت رحلة الجمر في سورية وانقسم اللبنانيون حولها. أيد السيد حسن نصرالله النظام وأيد الرئيس سعد الحريري الاحتجاجات. أفكر الآن في ما سيقوله الرجلان في الأيام المقبلة.

    يقول المتشائمون إن رحلة سورية على الجمر لا تزال في بداياتها. وإن تشابك خطوط التماس على أراضيها يهدد بإيقاظ الجمر في أكثر من مكان. وإن سورية لم تواجه يوماً العزلة التي واجهتها بعد مقررات الوزراء العرب أمس. وإن العزلة قد تفتح الباب لمجازفات باهظة. ويقولون أيضاً إن «الربيع العربي» أدخل المنطقة بأسرها في سنوات الجمر.

أرسل إلى صديق تعليق
تصغير الخط تكبير الخط

تعليقات

أيام الجمر

دمنا السوري أحمر من حمر الجمر، بس لسنوات!!.. كش برّه وبعيد.
بإذن ربي جمر سورية سيخمد جمر المنطقة، وكان من الممكن أن يخلو ربيع الشباب من جمر الكبار، لو أن الأنظمة جعلت المرحلة الأخيرة مرحلة أولى، أي لو تحركت فوراً على مبدأ: هات من الآخر.
لكن نظامنا العربي مترهل، وشرايينه مصطومة، فلا يصل الدم لرأس العقل حيث الحكمة والعبرة، قبل أن يتفجر في الجسد حيث القتل والدمار.
وأيضا لكن النظام العالمي أفاق وفاجر، فلا يتحرك لنجدة الشعوب، قبل أن ترتوي الأرض من دم البشر، وقبل أن يرتوي هو من شفط النفط.

أيمن الدالاتي _ الوطن العربي

اضف تعليق

بريدك الإلكتروني لن يظهر علناً احتراماً للخصوصية