أرسل إلى صديق تعليق
تصغير الخط تكبير الخط
  • برلمان
    الاربعاء, 15 فبراير 2012
    إبراهيم العريس

    يمكن أن يقال الكثير في حق التلفزيونات والفضائيات العربية. يمكن للسياسيين ولغير السياسيين أن يشتموها. يمكن لكلّ الناس أن ينتقدوها. وإذا شاؤوا يمكن لهم أن يهددوا بمقاطعتها. وطبعاً يمكن لكثر أن ينددوا بالخناقات ومشاهد قلة الأدب وقلة الذوق التي تكاد أن تكون جزءاً من عروض الشاشات اليومية. وفي السياق نفسه يمكن لمن يشاء الزعم أن جزءاً كبيراً من شرور مجتمعاتنا ما كان له أن يوجد لولا الإعلام المتلفز... بالتالي «لولا الحريات التي يسمح بها لنفسه هذا الإعلام»...

    نسمع هذا كلّه في كل يوم، وفي كلّ ساعة. تماماً كما نسمع تلك «التهم» الأقلّ خطورة التي تقول – في أحسن الأحوال – أن التلفزة مسؤولة عن انحطاط الذوق الفني و «رعونة الأجيال الجديدة»... وفي اختصار شــــديد نـــكاد نقول أن الحديث عن السلبيات يــــزيــد بمئات الأضعاف عن الحديث عن الإيجابيات... بل قد يقول لك قائل: أين هي الإيجابيات؟ مستنكراً...

    ومع هذا نعتقد أن هذا الإعلام المتلفز لم يأت ولا يأتي من الفضاء الخارجي... بل هو من عندنا... وربما نجنح بعض الشيء لنقول إنه صورة لما نحن عليه... لا يعطينا أكثر أو أقل مما نعطيه. وكأن لسان حاله هنا ما قالته الامرأة المكّية يوماً عن زوجها الذي قاطعها لأنها ولدت له بنتاً بدلاً من الصبي المتوقع: «...وإننا نعطيه ما يعطينا». وكل هذا منطقي ومعروف... وليس علينا سوى رصد ما يحدث في بلدان عدة من العالم العربي في الشهور الأخيرة كيّ نتيقّن منه... لنجد أن جزءاً كبيراً من الأحداث والتغيّرات إنما انعكس على الشاشات أكثر مما انعكس في أي مكان آخر.

    والحال إن هذا التفاعل سيزداد تجذراً خلال المراحل المقبلة حيث في ظلّ أوضاع تفقد فيها «الديموقراطية العجيبة» التي نعيش، البرلمانات العربية تعددية مفترضة وقدرة على السجال الحقيقي ويكون المكان الأول للديماغوجية، من المؤكد أن الفضائيات ستكون البرلمان الشعبي الحقيقي، والوحيد ربما في العالم العربي... وفي هذا السياق لا شك أن الفضائيات ببرامجها وإمكانية السجال المتاحة في هذه البرامج، وكون المداخلات فيها ستكون أكثر حرية منها في أي مكان آخر... وأكثر تنوعاً – ولو حتى إشعار آخر - ، سيبرز من خلال هذه البرلمانية التي تترسخ أكثر وأكثر كونها المكان المؤثّر في الدفاع عن الحرية والمستقبل والتنوير في مجابهة مع القيود المتزايدة والإنئسار للماضي وعصر الظلمات الموعود. وبالتالي ها هي الفضائيات مدعوّة اليوم إلى التمسّك أكثر وأكثر بهذا الدور الجديد كي تساعد الشعوب في الحفاظ على مكتسبات الحرية التي حصلت عليها قبل أن يسرق الثورات من سرقها... وإلا فقدنا كل شيء تحت شعارات ربيعية باتت خريفية في أحسن الأحوال.

أرسل إلى صديق تعليق
تصغير الخط تكبير الخط

اضف تعليق

بريدك الإلكتروني لن يظهر علناً احتراماً للخصوصية