أرسل إلى صديق تعليق
تصغير الخط تكبير الخط
  • الدين والسلاح في السباق الأميركي
    الاربعاء, 15 فبراير 2012
    ريتشارد ماكغريغور *

    مضت 40 سنة على توسل ريتشارد نيكسون القضايا الاجتماعية لاستدراج أصحاب الياقات الزرق (العمال اليدويين) الديموقراطيين الى المعسكر الجمهوري. وانتهج نيكسون السياسة هذه بناء على تحليل خلص الى أن غالبية الناخبين الأميركيين ليست «شباباً وفقراء وسوداً» على وجه التحديد. وتتردد أصداء خافتة لإستراتيجية نيكسون هذه في حملة الاحتجاج الصاخبة على قرار ادارة أوباما إلزام مؤسسات تديرها الكنيسة بتسديد سعر وسائط منع الحمل. ولم تتصدر الحروب «الثقافية» الاولويات منذ اندلاع الازمة المالية والاقتصادية. لذا، رحب الجمهوريون بقرار ادارة اوباما، ودعا سياسيون نافذون في الحزب الجمهوري، من أمثال ميتش دانيلز، حاكم انديانا، الى هدنة حول الشؤون الاجتماعية. وليس وراء الهدنة هذه انشغال الناخبين بالشؤون الاقتصادية، فالمرشحون الجمهوريون أدركوا أن انشغالهم بقضايا الاجهاض حَرَفَ رسالةَ حزبهم عن مسارها، وساهم في خسارة اصوات الناخبات.

    وخبا اثر شعارات رنانة درجت على رفع لواء قضايا «المثليين والسلاح والدين»، والتي لطالما كانت لازمة الحملات الجمهورية المحافظة. وفي العقد الماضي، تعاظم تأييد انهاء التمييز ضد المثليين في أوساط الناخبين الجمهوريين والديموقراطيين على حد سواء، وتراجع الديموقراطيون عن تأييد تقييد حمل السلاح أمام معارضة ناخبيهم مثل هذه الخطوة. وخفت صوت القيادة الكاثوليكية التي درجت على توسل منابرها في مواعظ الاحد لانتقاد ادارة اوباما، بسبب الفضائح الجنسية وضعف دالة السلطة التقليدية على شؤون الحياة المختلفة وانحسار هيبتها.

    لكن مكانة الديني والإلهي لا تزال وازنة في الانتخابات الأميركية. وخير دليل موقف الديموقراطيين الملتبس والمنقسم إزاء قرار ادارة اوباما الخاص بوسائل منع الحمل. وأدرك الديموقراطيون الوسطيون، وهم في معظمهم من الكاثوليك، من أمثال نائب الرئيس جو بايدن، أن قرار البيت الابيض لن يلقى تأييد كثر، وسينظر إليه على انه ينتهك حق الكنيسة في ادارة مؤسساتها ادارة تستوحي معتقداتها. ويعرف هؤلاء الديموقراطيون أن الجمهوريين نجحوا في استمالة شطر راجح من ناخبي اللافتات الزرق المحافظين اجتماعياً في ولايات مثل أوهايو وبنسلفانيا، نتيجة تسليط الضوء على مثل هذه القضايا.

    وفي مناقشة قرار ادارة اوباما حول تمويل مؤسسات الكنائس وسائل منع الحمل، خسر جو بايدن ومؤيدوه الجولة الاولى من النقاش، لكنهم أفلحوا في حمل الرئيس اوباما على تعديل القرار في الجولة الثانية، فرفع اوباما عبء تمويل وسائط منع الحمل عن كاهل مؤسسات الكنيسة، وألقاه على عاتق مؤسسات التأمين.

    وعلى رغم أن الاساقفة الأميركيين لا ينظرون بعين الرضا الى القرار، أيّد الزعماء الكاثوليك في القطاع الصحي الرئيس. ووراء توجيه الجمهوريين سهام النقد الى القرار هذا ودفاعهم عن الحريات الدينية، السعي الى استمالة الكاثوليك المتحدرين من أميركا اللاتينية. وهؤلاء، شأنَ الديموقراطيين التقليديين، يعلون شأن الحريات الدينية..

    والحق أن وجه الناخبين الأميركيين الاقتصادي لم يبق على الحال ذاتها منذ ولاية نيكسون الى اليوم، فهوة الانقسام بين الطبقات الاقتصادية تعاظمت، والأثرياء زادوا ثراء. ومن لم يكونوا فقراء، على قول نيكسون، صاروا اليوم فقراء. وإلقاء الجمهوريين لائمة الانكماش الاقتصادي على تضخم دور الحكومة وقواعدها الناظمة لا يعالج النزعات التي تقلب الاقتصاد العالمي المعولم رأساً على عقب، وتؤثر أثراً بالغاً في رواتب العمال الصناعيين وظروف عيشهم في اميركا. واقتصرت اقتراحات الجمهورييين للتصدي لهذه المشكلة على اقتراح يتيم هو إلغاء الضرائب على الأفراد والشركات، في وقت جعل أوباما يقلص قدرة الطبقة الوسطى الشرائية محور حملته الانتخابية.

    * كاتب وصحافي، عن موقع «فايننـشال تايمز» البريطانية، 12/2/2012، اعداد منال نحاس

أرسل إلى صديق تعليق
تصغير الخط تكبير الخط

اضف تعليق

بريدك الإلكتروني لن يظهر علناً احتراماً للخصوصية