أرسل إلى صديق تعليق
تصغير الخط تكبير الخط
  • اقتصاد العولمة يبدد الطبقة الوسطى الأميركية ويوسع الهوة بين النخبة وغير المتعلمين
    الاربعاء, 15 فبراير 2012
    دون بِك *

    غداة أزمة 2008 و«الكساد الكبير» الذي أعقبها، بين أيار (مايو) 2009 وأيار 2011، زادت نفقات الأميركيين الذين تفوق مداخيلهم 90 ألف دولار في السنة نحو 16 في المئة، وفق معهد غالوب. وبقيت نفقات فئات الدخل الأخرى على حالها، وهذا دليل على أن استئناف الاستهلاك إنما يعود إلى الاثرياء والميسورين ولا دور فيه لبقية السكان. فبعد 3 سنوات من الأزمة، خلف الميسورون وأصحاب التعليم العالي الأزمة وراءهم، وبقية أميركا إما وقفت في مكانها وإما رجعت القهقرى. وغالباً ما تؤدي الأزمات الاقتصادية إلى تضييق الفجوة بين فئات المداخيل. وعلى خلاف القاعدة العامة هذه، بين عامي 2007 و2009، اتسعت الفجوة قليلاً. والحق أن الـ1 في المئة من السكان الأكثر ثراء تقلصت مداخيلهم فوق ما تقلصت مداخيل الفئات الأخرى، في 2008. والسبب هو انهيار البورصة الذي أدى إلى خسارة 50 في المئة من الأرباح على الأسهم. وحتى في 2008، زادت حصة هذه الفئة من الدخل الوطني، والبورصة لم تلبث أن عوضت خسائرها واستعادت ربحها.

    بقيت شركات وول ستريت، والأعمال المالية عموماً، في منأى من موجة البطالة التي ضربت القطاعات الأخرى. وبين الفصل الأول من 2007 والفصل الأول من 2010 ألغيت 8 في المئة من الوظائف في القطاع المالي مقابل 27 في المئة في قطاع البناء والأشغال العامة، و17 في المئة في الصناعة. وعلى العموم، جُمدت الأجور في 2009 و2010، لكنها الأجور في مانهاتن زادت 11.9 في المئة، و8.7 بسيليكون فالي. وفي شباط (فبراير) 2011، بلغ عدد الوظائف المعروضة في واشنطن، وسان جوزيه (كاليفورنيا) عدد المتقدمين إليها، تقريباً. وفي ميامي وديترويت، تقدم 6 طلاب عمل إلى الوظيفة الواحدة المعروضة. وبلغت نسبة البطالة 12 في المئة لدى حملة الشهادة الثانوية، و4.5 في المئة لدى حملة الماستر، و2 في المئة في فئة من حصلوا تعليماً جامعياً فاق الـ4 سنوات.

    وعلى المثال نفسه، أصابت الأزمة العقارية الضواحي البعيدة، في المرتبة الأولى، والنواحي الرخيصة مثل فينيكس ولاكنيغاس وثلاثة أرباع فلوريدا - وهي معاقل أسر الطبقة الوسطى المتواضعة، في الحزام القريب من المدن الغالية الأسعار (شأن فرنسيسكو، سياتل، بوسطن وشيكاغو)، كانت خسارتها قليلة قياساً إلى خسارة الطبقة الوسطى المتواضعة. وبينما تجدّدت أرباح البورصة، على العكس من تردي أسعار العقارات، وسع الأثرياء تفادي الخسائر الفادحة، وأسعفهم تنوع مواردهم في ذلك. وقدرت دراسة أعدت في 2010 أن الأسرة المتوسطة النموذجية خسرت، منذ ابتداء الكساد، 23 في المئة من مواردها، ولم تخسر الأسرة النموذجية الميسورة إلا 12 في المئة من مواردها. وأتاحت الأزمة لشطر من الشركات تقييد زيادة أجورها المتوسطة، وتعجيل هيكلتها ونقل إنتاجها إلى حيث الأجور والضمانات قليلة، فقلصت أسعار إنتاجها وزادت أرباحها ورواتب كبار موظفيها ومسؤوليها.

    ولاحظ أنتوني أتكينسون، وهو درس أثر الأزمات المالية التي عصفت بالبلدان الآسيوية في النصف الثاني من تسعينات القرن الماضي، أن تردي مداخيل الطبقات الوسطى في الأزمات تستمر نتائجه بعد انقضاء الأزمة، بينما يتوسل الأثرياء بمدخراتهم السائلة إلى شراء حيازات انهارت أثمانها، ويخرجون من الأزمة وهم أكثر ثراء. ومنذ انهيار 2008 لم يكف وارن بافيت عن الاستثمار. وفي الأعوام الممتدة بين 1999 و2009، انخفض الدخل المتوسط على نحو محسوس. والنازع إلى الاستقطاب في سوق العمل طاول وظائف الياقات الزرق (العمال اليدويين) ووظائف الياقات البيض (المكاتب) المتوسطي التأهيل، ولم يطاول الوظائف العالية التأهيل إلا لماماً وعلى الهامش. وعلى هذا، ضربت الأزمة، على ما يرى ديفيد أوتور من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، أصحاب المؤهلات المتوسطة، بين كبار الإداريين والمخططين والمهن الجامعية الحرة وبين مستخدمي الخدمات الدنيا مثل إعداد الطعام والعناية بالمرضى والخدمة المنزلية.

    ويكتب أوتور أن هذا المنحى، الآيل إلى عصر الطبقات الوسطى، يرسم المجتمع الأميركي رسماً جديداً مختلفاً عن رسمه المعهود. والسمة البارزة الأولى في الرسم الجديد هي تعاظم العوائد في الذروة الاجتماعية، وترديها وضمورها في الجهة المقابلة حيث العاملون الأقل تعلّماً والذين خرجوا من سوق العمل. والتحول هذا تعود طلائعه إلى ما قبل ثلاثين عاماً. وهو رافق الانتقال إلى اقتصاد الخدمات والمعلوماتية والانخراط المتعاظم في السوق المالية الواحدة، وهي سوق السلع والعمل ورأس المال معاً. ومنذ العام 2000، وهذه السوق تشهد اندماجاً وتوحيداً متسارعين. وتسارع الاندماج فوق سرعته منذ انهيار 2008. فالتكنولوجيا الجديدة و «تحرير» الخدمات والمبادلات رسخا الأبنية اللوجيستية الكونية وجعلاها أكثر مرونة.

    وفي بعض القطاعات يكاد تحول أميركا أن يكون ناجزاً. فمكانة العمل الصناعي اليدوي تتردى منذ عقود، بينما تنمو أنشطة أخرى. ولم يحصل هذا بين ليلة وضحاها، على خلاف تصور رائج.

    فعدد العاملين في الصناعة بقي ثابتاً تقريباً طوال نصف قرن، منذ 1950 إلى عام 2000، وبلغ نحو 17 إلى 19 مليوناً. وفي أثناء نصف القرن، عوضت زيادة الإنتاج أثر والابتكارات التكنولوجية، التي تقلص الحاجة إلى اليد العاملة. وخسرت الصناعات الأميركية التقليدية، منذ العام 2000، زهاء ثلث وظائفها. وبعض هذه الخسارة استفادت منه الصين. لكن الولايات المتحدة لا تزال القوة الصناعية الثانية في العالم. وانهيار حجم اليد العاملة في الزراعة لم يحل بين أميركا وأن تصبح في المرتبة العالمية الزراعية الثالثة، على رغم أن 2 في المئة من الأميركيين فقط يعملون في الزراعة اليوم.

    لكن أصحاب الياقات البيض لا يزالون في بداية الطور الجديد من أطوارهم المرتقبة. فالبرمجيات المعلوماتية في مستطاعها اليوم تحرير النصوص القانونية الأولية والمبوبة، واقتراح قراءة أولى لصور الأشعة والفحوص الطبية المتفرقة. والصور والفحوص تنقلها وسائط الاتصال إلى الجانب الآخر من العالم ليقرأها أطباء يقيمون هناك. وقدر ألن بليندير، نائب رئيس الاحتياط الفيديرالي سابقاً، في 2007، الوظائف الأميركية التي يتوقع تنقيلها في السنوات العشرين المقبلة، بـ22 إلى 29 في المئة من سوق العمل. ولم تؤد أزمة 2008 إلا إلى تسريع الظاهرة. وخسارة مرافق العمل كانت عالمية، لكن فداحتها في الولايات المتحدة تخطت نظيرتها في سائر البلدان: فواحدة من أربع وظائف تبددت في أثناء الأزمة، كانت أميركية، على احتساب صندوق النقد الدولي وإحصائه. والتكنولوجيا الجديدة لا تحل محل من يقومون بالأبحاث المعقدة، أو يتعاطون التحليل المرهف، أو يتولون المفاوضة الدقيقة والإبداع الفني، بل هي تتمة هذه وسند ديناميتها. ويتقاضى الأميركيون الذين يضطلعون بهذه الأعمال المتكاثرة في السوق العالمية بدائل ورواتب عالية.

    وخلّف الطور الجديد في قلب النخبة تفاوتاً حاداً. ومنذ 1993، حاز 1 فـــي المــــئة من السكان فوق الزيادة التي طرأت على الدخل الوطني. وبين 2002 و2007 حازت هذه الفئة دولارين من نمو 3 دولارات... وفي 2002، دخل الجامعات الأميركية حوالى مليوني طالب، 1630 منهم دخلوا هارفرد. لكن مارك زوكيربيرغ واحد خرج من صفوف المليونين وأنشأ «فايسبوك» والثروة الضخمة المولودة منه. وهذا قرينة أخرى على تعاظم الفرق بين الطبقات الاجتماعية في أميركا.

    فالهوة بين حاملي الشهادات العليا وبين الآخرين كلها لا تنفك تتسع. وأصحاب الشهادات الجامعية العليا يبلغون، في أحسن الأحوال، 30 في المئة من السكان. والأسر التي يبلغ مدخولها السنوي المجتمع 113 ألف دولار، في 2009، تنتمي إلى فئة لا تزيد على 20 في المئة من الأميركيين.

    العاملون من أصحاب المؤهلات المتوسطة، ومن الذين تركوا الدراسة في نهاية المرحلة الثانوية، كانوا على الدوام قلب المجتمع الأميركي الخفاق. وهم 58 في المئة من السكان، ومعظم الطبقة المتوسطة. واندثار مرافق العمل الصناعي والأعمال المكتبية الضعيفة التأهيل، يشد الطبقة المتوسطة إلى أسفل. ويقدر مايكل غرينستون، من «إم آي تي»، أن الأجر الحقيقي المتوسط الذي يتقاضاه العمال الذكور تقلص، منذ ذروته في 1973، 32 في المئة إذا احتسب الذين أقصوا نهائياً عن سوق العمل. والصعوبات التي يعانيها الرجال أدت إلى تفاقم المشكلات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي أصابت المجتمع كله وما زالت تصيبه.

    وتبقى مواجهة الشباب خسارة شطر كبير من العمل الصناعي لغزاً غير مفهوم. فهم لم يحاولوا دخول الجامعة، ولا سعوا في الحصول على وظائف في قطاع الخدمات. وتبلغ نسبة الشباب الذين يحصلون دراسة جامعية اليوم نسبتهم في 1980.

    ويلاحظ ديفيد غروسكي وماريا شارل، في كتابهما «غيتوات العمل» أن عدداً من قطاعات العمل لا يزال على تمييزه الجنسي القديم: يبحث عن الرجال في المرافق اليدوية الآفلة، بينما تيمم النساء شطر مرافق غير يدوية تفوق الأجور فيها أجور الأعمال اليدوية. وبالتالي مصير الرجال غير المؤهلين يبعث على القلق، وفق بروس فاينبرغ، الأستاذ في جامعة ولاية أوهايو. ذلك أن 97 في المئة من الأميركيين الذكور والبالغين 30 سنة إلى 50 سنة كانوا في 1967 يعملون، نظير 76 في المئة، في 2010.

    ويشخص فاينبرغ، وشريكاه في توقيع دراسته، ارتقاء النساء واستحواذهن على مرافق تقتضي صفات أو ميزات علائقية وجماعية مثل المعلوماتية. والمرونة في التواصل والقدرة على التنسيق هما في قلب عالم العمل الجديد.

    والنســـاء لا يملـــن إلى الزواج برجـــال مــن غير عمل أو يعملون في مرفق غير ثابت، أو لا يملن إلى البقاء معهم، على رغم إنجــابـهن أولاداً منهم. وأثبت دارس الاجتماعيات، ويليام ويلسون، من هارفرد، رابطاً بين تلاشي الأعمال الصناعية في قلب المـــدن، في أثنـــاء سبعينات القرن العشرين، وبين معظم المشكلات الاجتمـــاعية فــي أعقاب العقد. ونحن ربما نشهد اليوم ولادة عالم رابع عريض في المناطق الآفلة، معظمه من الرجال.

    وعلى الولايات المتحدة توقع الآثار المترتبة على هذه الظاهرة من مصاعب مالية وأزمات زوجية، وبيوت تقتصر على قرين واحد، وأولاد يعانون الاضطراب. وفي أواخر عقد 1990، كان 37 في المئة من الأسر المتوسطة التعليم تنتهي إلى طلاق الزوجين وانفصالهما بعد أقل من 10 سنوات على زواجهما الأول. ويبلغ الرقم ثلاثة أضعاف نظيره في الأسر الأعلى تعلّماً. وبين 2006 و2008، أنجب 44 في المئة من أولاد هذه الفئة خارج الزواج. وهو رقم قريب من الـ54 في المئة من أولاد الأمهات غير المتعلمات، نظير 6 في المئة من أولاد الجامعيات.

    * صحافي وصاحب كتاب «المفلسون»، عن «أتلانتيك» الاميركية، 9/2011، اعداد منال نحاس

أرسل إلى صديق تعليق
تصغير الخط تكبير الخط

اضف تعليق

بريدك الإلكتروني لن يظهر علناً احتراماً للخصوصية