أرسل إلى صديق تعليق
تصغير الخط تكبير الخط
  • الجد والهزل في برلمان الثورة
    الإثنين, 20 فبراير 2012
    محمد صلاح

    ينتظر المصريون «معركة الدستور» التي ستكون حداً فاصلاً وكاشفاً لمواقف القوى السياسية الممثَلة في البرلمان، والمهم أن المعركة ستُنقَل على الهواء مباشرة، ولن يكون فيها أسرار، فـ «اللعب» سيكون على المكشوف، أو كما يقول المصريون «على عينك يا تاجر»، واختيار أعضاء الجمعية التأسيسية المئة وتصنيفهم سيتم على الملأ، التلفزيون وسينقل جلسات البرلمان من دون حذف أو تعتيم، ولأن الثورة فرضت أوضاعاً جديدة، فإن الحديث عن «مجلس الشعب» لا يتوقف في مصر.

    وما أن طرح رئيس مجلس الشعب الدكتور سعد الكتاتني على أعضاء البرلمان سؤالاً إذا ما كانوا يرغبون في استمرار بث جلسات المجلس على الهواء مباشرة، حتى ثار غالبية النواب، واستنكروا السؤال، وأبدوا إصراراً على أن يعرف الشعب أولاً بأول ما يدور في القاعة الكبرى للبرلمان، واستجاب الكتاتني ولم يُجرِ اقتراعاً ليعرف رأي المجلس في الأمر، إذ إن الرغبة كانت كاسحة في مواصلة البث والعرض، والحق أن القناة التي تنقل الجلسات (صوت الشعب) صارت تستحوذ على اهتمام المصريين باختلاف دوافعهم، فمنهم من يريد أن يطّلع على أداء النواب وسلوكهم وردود فعلهم تجاه الأحداث التي تمر بها مصر ومواقف البرلمان من القضايا المهمة، ومنهم من قارن بين «برلمان الثورة» وبرلمانات العهود السابقة عندما كان التلفزيون الرسمي يخصص نصف ساعة بعد نشرة أخبار السادسة مساء يعرض فيها بعض المناقشات، وكان الظهور غالباً حكراً على نواب الحزب الوطني الذي كان حاكماً، ومنهم من وجد في المجلس ما يُسلِّيه خصوصاً مع غياب الخبرة لدى غالبية النواب بالنسبة الى العمل البرلماني، وصدور بعض التصرفات المثيرة للبكاء أو الضحك أو الاثنين معاً. ووفقاً لخبير في الإعلام يعمل في مجال الأبحاث التسويقية فإن القناة صارت تحقق أكبر نسبة مشاهدة بين كل قنوات التلفزيون الحكومية والخاصة. ولمَ لا؟ فخلال الأيام الثلاثة التي تنعقد فيها الجلسات كل أسبوع (بعد تشكيل مجلس الشورى سيتبادل الانعقاد مع مجلس الشعب)، فإن الناس يتابعون ما لم يعتادوه من قبل، ويطالعون ما لم يكن وارداً قبل الثورة، ورغم عدم رضا بعض القوى عن الطريقة التي جرت بها الانتخابات البرلمانية أو التحفظ على بعض التجاوزات، أو الغضب من النتائج، إلا أن شعوراً عاماً يسود بأن النواب وصلوا إلى البرلمان بإرادة شعبية، وأن التيار الإسلامي صاحب الشعبية الأكبر لأسباب متعددة والخبرات الأوسع في حشد الناخبين والتأثير الأقوى بين الجموع حقق ما كان متوقعاً أصلاً، ونال نواب «الإخوان» والسلفيين أكثر من ثلثي المقاعد،

    لكن الأهم أن البثَّ المباشر بقدر ما يصب في مصلحة بعض القوى ويُقرِّبها من الشارع، وجاء لمصلحة بعض النواب الذين أظهروا قدرات خاصة وكفاءة عالية، فإن تأثيره سيكون كبيراً في كل انتخابات مقبلة. قد يهتم الناس ببعض «الحركات» لهذا النائب أو ذاك، أو «المشاهد التمثيلية» لنائب، أو لآخر يعلم أن جمهوراً يتابعه وينتظر منه «التصفيق» وعبارات الإعجاب، أو نائب ينشغل أثناء الجلسات وبعدما ينتهي من «الشو»، بوضع أجزاء من «كليباته» على مواقع التواصل الاجتماعي، ويقرأ ردود فعل الناس عليها، وهو مازال على مقعده داخل القاعة، لكن ذلك لا ينفي أن نواباً آخرين أظهر البثَّ المباشر قدراتهم العالية، وغباءَ أنظمة سابقة استبعدتهم لمجرد أنهم يتمتعون بتلك القدرات العالية، أو لأنهم معارضون لا يجيدون التصفيق! وكشف البث المباشر كفاءة وكيل البرلمان أشرف ثابت، وهو نائب سلفي، خصوصاً بعد الحملة التي شنتها القوى المدنية قبل الانتخابات وأثناءها، وصوَّرت للناس أن السلفيين أناس من كواكب أخرى، وأنهم إذا وصلوا سينقضون على مدنية الدولة ومظاهر تحضرها، كما بيَّن أداءً متميزاً وموضوعياً للنائب الوفدي عبد العليم داوود، واليساري أبو العز الحريري، ونائب «الوسط» عصام سلطان، كنماذج لسلوك برلماني بعيد من «التمثيل» أو «التهريج»، حيث يدرك هؤلاء حجم المسؤولية وطبيعتها.

    وسط تضخم نسب المشاهدة العالية لـ «عروض البرلمان» لا يغيب عن الأذهان السؤال: ماذا كان سيُضير نظام مبارك لو كان الكتاتني نال رئاسة البرلمان لدورة برلمانية أو أكثر ولو من باب التغيير؟ عموماً سيبقى الناس يقضون أوقاتاً سعيدة أو عصيبة أمام جلسات البرلمان إلى أن يأتي موعد الحدث الأهم وهو «معركة الدستور»، وعندها إما أن يغيروا القناة، أو يداوموا على المشاهدة، أو سيتظاهرون للمطالبة بوقف البث لأنهم لا يفضلون العروض الهزلية.

أرسل إلى صديق تعليق
تصغير الخط تكبير الخط

اضف تعليق

بريدك الإلكتروني لن يظهر علناً احتراماً للخصوصية