أرسل إلى صديق تعليق
تصغير الخط تكبير الخط
  • عابر حياة - امرأة المحكمة
    الخميس, 23 فبراير 2012
    ثريا الشهري

    مشاركة المرأة العامة لمجتمعها دليل على وعي المجتمع لذاته وحضارته، ولا أتصور مجتمعاً بمرحلة متقدمة من الرقي والتطور إلاّ وعمل المرأة وإسهامها العام من قضاياه وحواراته الأساسية، لذلك أجدني مطمئنة إلى الحراك الدائر في المجالس السعودية، سواء أكان على المستوى الرسمي أو الشعبي، ولأن من حقنا على الدولة أن تكفل لنا تكافؤ الفرص كمواطنين، رجالاً ونساءً، سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وثقافياً، ثم تصدر القوانين المثبتة لهذه الحقوق، لذلك أنا متفائلة بوضع المرأة السعودية، فحتى التقاليد المعرْقلة لن تجد لها ذاك المؤيد مع قيادة مُنْصِفة، ومع ضغوط معيشة بتكاليفها. ففي غياب المساواة الحقوقية بين الرجل والمرأة يغيب مبدأ المساواة عن المجتمع ككل، والسعودية اليوم التي هي غيرها بالأمس، إنما تشهد خطوات تصحيحية نحو تأهيل المرأة عملياً، وستزحزح صخور الطريق بالوقت وبكثير من الجذب والشد، وجميعها أمور طبيعية مع أوضاع استمرت زمناً على حالها.

    ومناسبة الحديث ما صدر عن مجلس الشورى من رفض غالبية أعضائه لتوصية إضافية نصت على تعيين نساء في المحاكم وكتابات العدل في الأعمال الإدارية، بحجة أن العمل جار على تحقيق التوسع في إشراك المرأة في ميادين العمل وتحت ضوابط الشريعة لإيجاد فرص مناسبة للمرأة، فماذا يعني هذا؟ بحسب فهمي المتواضع، اختصرت القصة برفض الأعضاء توظيف المرأة في المحاكم وكتابات العدل، ويكفيها العمل في غير أماكن... سأعلق هنا من واقع تجارب شخصية مرت بي، وشهدتها في أروقة المحكمة، وبإمكاني أن أؤلف فيها كتاباً، فحصل أن اشتكيت أحدهم لغشه وتدليسه في بناء مسكني، وحصل أن وكلت محامياً يتولى القضية بالإنابة، بعد أن وضحت له مجمل ما غاب عنه، ولكن المدعى عليه استغل عدم تواجدي في قاعة الجلسة، فغيّر في بعض الحقائق لتجري الأمور لمصلحته، الأمر الذي دفع بالمحامي إلى التأجيل مرات لحين الرجوع إليّ -كموكلته- والتحقّق مني عن صحة الادعاء، فلم يكن أمامي -واختصاراً للوقت والجهد والمال- سوى أن أترافع في قضيتي بنفسي، فأكون محامية حقي، وكنت أتوقع ممانعة القاضي لطلبي هذا، ولكنه رحب بالمبادرة مرسلاً بكتيب يشجع المرأة ويعرِّفها بحقوقها القانونية في القضاء.

    وهكذا استمرت الجلسات قرابة السنتين بواقع 18 جلسة، أزعم أنني مع الأيام صرت أكثر تدريباً على كتابة المذكرات، ومعرفة كيف يكون التركيز والرد على الخصم بجمل موجزة ومعبِّرة كنت أستقيها من كتب متخصصة ومن واقع المحاور أعدها مسبقاً قبل الجلسات، بعد سؤال المحامي عما يُستعصى فهمه، فهل كسبت القضية؟ نعم، ولكن المدعى عليه اختفى فلم استرجع حقي، ولن يضيع الحق طالما وراءه مطالب، إنما هي تجربة صعبة كانت، على تعبها النفسي واستنزافها العصبي، مِن أغنى خبراتي، منها استفدت الكثير، وبإمكاني أن أحكي عنها الكثير... أجل يا سادة يا أعضاء، المرأة بحاجة ماسة إلى عمل امرأة ترشدها وتنبهها وتنهي لها إجراءاتها في دهاليز المحاكم، ولو تسمح المساحة لسردت قصصاً متشعبة لنساء حائرات قد لا نستوعب ضآلة معرفتهن وجهلهن بالبديهيات.

    وتحضرني هنا امرأة سألتني يوماً عن أوراق بيدها، فأشرت إليها بالدور والموعد ورقم المكتب، ونصحتها باستعمال مصعد أمامنا، فكانت إجابتها الصاعقة: «والله لم أركب هذا الشيء أبداً ولا أعرف كيف أفعل»، ولو عاينت هيئتها لما شككت بقولها، فكيف باسترداد حقها؟ فماذا عن عدد نساء استوقفنني ينشدن الإنابة عنهن؟ فماذا عن مكاتب -ولم أقل قاعات الجلسات- تضطر المرأة إلى توقيع موظفيها فتحتار أين تقف، ويُحرج الموظف أين يذهب بالمرأة لحين انقضاء أوراقها؟ ولا يجيب الأعضاء الموقرون بـ «أين مَحْرَمُها؟»، فالمرأة في المحكمة إما شاكيةٌ مَحْرَمَها، أو هي هناك بسبب محرمها، دع عنك كتابات العدل ومعرِّفَيْن يطلبهما الشيخ للتعريف بالمرأة بالرغم من بطاقتها المدنية، معرفان غالباً ما يكون أحدهما أخوها في الرضاعة «صادفته قبل دقائق على الباب». نعم، المرأة بحاجة إلى المرأة الموظفة في المحكمة، والدولة عليها تبنّي نساء على وعي ومسؤولية لتثقيفهن قانونياً، ومن التثقيف إلى تقليص الفجوة بين واقع النساء المتعثرات والجهات المخولة إصدار القرارات وسن القوانين.

    [email protected]

أرسل إلى صديق تعليق
تصغير الخط تكبير الخط

اضف تعليق

بريدك الإلكتروني لن يظهر علناً احتراماً للخصوصية