أرسل إلى صديق تعليق
تصغير الخط تكبير الخط
  • «حزب الله» في عالم يتغيّر
    الإثنين, 05 مارس 2012
    غسان شربل

    عندما اندلعت شرارة حرب تموز (يوليو) 2006 في لبنان، حددت القيادة السورية في اجتماع طارئ الظروف التي يمكن ان تلزمها بدخول الحرب: الأول أن تنجح القوات الإسرائيلية في الأسبوع الأول في سحق «حزب الله». الثاني أن تتقدم القوات الإسرائيلية في البقاع على نحو يهدد أمن دمشق. الثالث أن يشن الطيران الإسرائيلي غارات في العمق السوري. لم يحصل شيء من ذلك وبقيت سورية خارج الحرب.

    وقفة بسيطة عند النقطة الأولى تؤكد أن سورية تعتبر سلامة «حزب الله» جزءاً من أمنها ودورها القائم على «الممانعة»، سياسياً عبر مواقفها وعسكرياً عبر حلفائها، والدليل على ذلك أن أبرز ما طلبه الرئيس بشار الأسد من النائب وليد جنبلاط يوم عاود سلوك طريق بيروت – دمشق هو إبقاء سلاح المقاومة خارج أي نقاش. ووجد الرئيس سعد الحريري نفسه أمام الطلب ذاته حين زار العاصمة السورية.

    لم يكن عمق التحالف بين سورية و «حزب الله» يحتاج الى مثل هذه التأكيدات. الأمين العام لـ «حزب الله» السيد حسن نصرالله قدّم هذا التأكيد في موعد سابق، فحين التهبت مشاعر قسم كبير من اللبنانيين بعد اغتيال رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري، نظّم نصرالله في 8 آذار (مارس) 2005 حشداً غير مسبوق أطلق فيه عبارة «شكراً سورية»، مجازفاً برصيد المقاومة داخل الطائفة السنّية في لبنان. وكان ذلك الموقف بين أبرز أسباب ولادة حركة 14 آذار.

    لا يحتاج عمق العلاقة الى تأكيد. معظم الصواريخ التي أطلقها «حزب الله» في حرب 2006 مصنوع في سورية. ولعب خط الصواريخ المفتوح دوراً أساسياً في تلك الحرب. في المقابل منع «حزب الله» قيام حكومة مستقرة لـ 14 آذار في لبنان، ليس فقط بسبب المحكمة الدولية المعنية بالتحقيق في اغتيال الحريري، بل ايضاً لمنع إخراج لبنان من موقعه كحلقة في محور الممانعة الممتد من بيروت الى دمشق وصولاً الى طهران. وكان غرض عملية 7 أيار (مايو) التي نفذها «حزب الله» في شوارع بيروت وبعض الجبل، قلب الأكثرية النيابية وإعادة ربط لبنان بمحور الممانعة.

    يمكن القول هنا ان السيد حسن نصرالله لعب دوراً استثنائياً في تعميق تحالف حزبه مع سورية في عهد الرئيس بشار الأسد، مستفيداً من علاقة شخصية عميقة تربطهما، ومن قدرته على إقامة تآلف شبه دائم بين مقتضيات الوفاء للمنابع الإيرانية ومستلزمات مراعاة المصالح العميقة للمعبر السوري. وهو ما جعل العلاقة عميقة وحيوية ومصيرية تتقدم لدى الطرفين على كل ما عداها، وهو ما استنتجه أمير قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني ورئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان ومعهما المملكة العربية السعودية.

    بسبب كل ما تقدم، يطرح اللبنانيون اليوم سؤالاً صعباً، هو: ماذا يفعل «حزب الله» الذي اضطرته الأحداث الدامية في سورية الى الوقوف ضد «الربيع العربي» فيها، في حين بدا مؤيداً لهذا الربيع حين ضرب ساحات أخرى؟

    لا مبالغة في القول ان «حزب الله» يواجه اليوم خيارات صعبة يمكن ان يواجهها القوي المسلح المتماسك عندما تتغير البيئة المواتية التي كان يسبح فيها لبنانياً وسورياً وإقليمياً. ومن الطبيعي أن يكون الحزب قلقاً ومتوتراً في هذه الأيام. سورية غارقة في نزاع مدمر، ومَنْ حَماها حتى الآن هو روسيا لا إيران. وللمظلة الروسية أثمان وأخطار في موازاة الفوائد والعائدات. ثم ان التوتر السنّي – الشيعي في المنطقة ينذر بتحويل النزاع في سورية حلقة من حرب أهلية إقليمية.

    لا أريد الخوض في مستقبل النظام السوري على المدى القريب. قراءتي لمرتكزاته تدفعني الى توقّع نزاع مرير وطويل وباهظ. وتدفعني أيضاً الى الاعتقاد بأن سورية نفسها قد تنكسر قبل انكسار أحد طرفي النزاع. السؤال الأول المطروح على «حزب الله» هو عن كيفية التعايش مع نزاع طويل وخطر في سورية من دون ان تشتعل خطوط التماس السنية – الشيعية في لبنان. السؤال الثاني هو: ماذا يفعل «حزب الله» إذا التهب الملف الإيراني وسورية غارقة في القتل الجوّال داخلياً، وفي العزلة الصارمة إقليمياً ودولياً؟ السؤال الثالث هو: ماذا يفعل «حزب الله» اذا استيقظ على تغيير في سورية، وفقد العمق الذي كان يوفر له الدعم السياسي مقروناً بالصواريخ؟

    في بيروت همسٌ حول سيناريو شبيه بما جرى في غزة، على رغم الفوارق. يقول السيناريو أن «حزب الله» سيضطر الى السيطرة على أجزاء كبيرة من لبنان لتعويض خسارته في سورية. يخالجني شعور بأن قيادة الحزب تدرك أخطار مثل هذا العمل. دخول الحزب عسكرياً الى مناطق مسيحية سيُنهي حليفه العماد ميشال عون وسيؤدي الى قيام مقاومة ضده. دخوله الى مناطق سنّية سيؤدي الى إشعال الفتنة. ثم ان تركيبة الجيش اللبناني لا تستطيع احتمال انقلاب بهذا الحجم، يمكن ان يؤدي الى تفككه وتوزع العسكريين على خط التماس.

    يبقى الخيار الآخر، وهو العودة الى الحقائق اللبنانية، شرط توافر الواقعية لدى مختلف الأطراف، بعيداً من أوهام القوة والاستضعاف. أعرف أن مثل هذا الخيار صعب لدى الحزب، ولدى طهران ايضاً. لكن قيادة الحزب تدرك بالتأكيد ان المنطقة تتغير، وأن على الحزب أن يقرأ بتبصّر، وأن يتكيف ويتغير.

أرسل إلى صديق تعليق
تصغير الخط تكبير الخط

تعليقات

«حزب الله» ينقلب على نفسه

حرب تموز أثبتت نجاح التحالف السوري اللبناني في مقاومة إسرائيل وممانعة أمريكا, وكان حزب الله محقا وكذلك كان النظام السوري, فنالا شعبية عارمة وثبتا وتألقا.
لكن في الأزمة السورية يخسر هذا التحالف امتداده الشعبي إن لم نقل صار في العداء مع الشعب, فالمقاومة بسند الشعوب تزهو وتُبارك, واليوم يفرط حزب الله بأهم شعب سانده على الدوام بوجه الداخل والخارج, وينقله من نصير أخوي بالدم إلى خصم ثأري للدم, وهذه سقطة كبرى قد تعذبه كثيرا ولاينجو منها على المدى المنظور, وهي ستمهد لمقاومة عربية وإسلامية شعبية وشبابية لاتعول على حزب الله في قادم الأيام, وقد يضطر حزب الله مستقبلا إلى أن ينقلب على نفسه كي يبقى ولايتجاوزه الزمن.
زمن التغيير الذي لن يرحم يدا تلطخت بدم أهلها من تلقاء ذاتها.

أيمن الدالاتي _ الوطن العربي

اضف تعليق

بريدك الإلكتروني لن يظهر علناً احتراماً للخصوصية