أرسل إلى صديق تعليق
تصغير الخط تكبير الخط
  • «أحلتني خراباً»
    الجمعة, 16 مارس 2012
    حسام عيتاني

    تكشف الرسائل التي نشرتها صحيفة «الغارديان» والمنسوبة إلى الرئيس بشار الأسد والدائرة الضيقة المحيطة به، الموقع الحقيقي للناس وللشعارات التي يرفعها الحاكم ذاته، في منظومة أدوات الحكم، بتسليطها الضوء على ما يجري وراء الأبواب الموصدة لقصور الرؤساء العرب.

    فالأسد يسخر، في رسالة إلكترونية إلى زوجته، من قوانين الإعلام والأحزاب والانتخابات التي يشبهها «بالنفايات». وإذا صدقت الرسائل التي نشرت بالتزامن مع الذكرى الأولى للثورة السورية - والأرجح أنها صادقة بحسب الاستقصاءات التي أجرتها الصحيفة - فإن من يظهر من بين سطورها، مجموعة من الشخصيات الغارقة في تلاوة ذاتية لسرديتها الخاصة للأحداث، ما يعزلها عن العالم وعن المجتمع ويبرر في نظرها الانصراف إلى شؤونها الخاصة.

    فشراء السلع الفاخرة من متاجر لندن ونيويورك بعشرات آلاف الدولارات والجنيهات الاسترلينية في الوقت الذي يلسع البرد ملايين السوريين، وتكليف «الأصدقاء» بإحضار آخر الأفلام الغربية، سلوك لا يدل فقط على الإسراف فحسب، بل أيضاً على انفصال عن الواقع واطمئنان إلى دونية الفريق الآخر وعجزه عن تشكيل خطر وجودي على سكان القصر، ما يشجع على متابعة نمط حياة مرفّه.

    غني عن البيان أن النظرة هذه غالباً ما تكون خادعة، لكنها على رغم ذلك تنجح في جرّ أصحابها إلى حالة من الإنكار المَرضي الذي يتفاقم إلى أن يودي بصاحبه إلى سوء المصير.

    ليس من تناول هنا للشؤون الشخصية للعائلة الحاكمة. وليس من أهمية للتلصص أو لاختراق ستار الخصوصية. ليس لأن النظام السوري لم يترك حرمة شخصية أو عامة إلا وأوغل في تلويثها وانتهاكها، بل لأن الفارق الشاسع بين الحياة التي يحياها رئيس سورية وعائلته والحاشية المحيطة به، جديرة بالدرس من وجهة نظر اجتماعية - سياسية من جهة. ولأن العلاقة بين الشخصي والعام تصبح شديدة الالتباس في ظل أنظمة مثل النظام البعثي في سورية. فحرمان «الكتل» أو «الجماهير» من أن تتحول إلى مواطنين وأفراد، لا يدع في البلاد سوى فرد واحد أباح نفسه أمام التناول العام لكل شؤونه. وسيان أدرك ذلك أم لم يدركه.

    وغالبا ما تقيم الأنظمة الشمولية فواصل سميكة بين قادتها وبين الشعوب فلا يعاني الأولون ما يذوق الناس من مرارات وشظف. ولا تنقص الذرائع في هذا الباب حيث يقال إن القائد في حاجة إلى الراحة ليتمكن من إنجاز مهماته التاريخية، على عكس الرعاع والدهماء الذين لن يسجل لهم دور في التاريخ. نموذج ستالين وقادة الحزب الشيوعي السوفياتي أثناء الحرب العالمية الثانية وصدام حسين أثناء الحصار على العراق، من النماذج المعروفة.

    يضاف إلى ذلك، تملّك النخبة الحاكمة «وعياً» يجعلها ترى في الامتيازات التي تنعم بها حقاً يداني البداهة ولا يجوز أن يسائلها أحد فيه، جاءتها به سلطة لا تُساءل أيضاً وتطاول حياة الناس وموتهم.

    ولعل كلمات أغنية اشتراها الأسد من موقع «آي تيونز» تساهم في تفسير، من خارج سياق التفسيرات الاستراتيجية والسياسية، لما يدور خلف الأسوار العالية في الذكرى الأولى للثورة السورية. تقول ترجمة كلمات الأغنية: «كنت ألماً في القلب يسير على قدمين/ لقد أحلتني خراباً/ الشخص الذي كنت أخيراً/ ليس من أريد أن أكون».

أرسل إلى صديق تعليق
تصغير الخط تكبير الخط

اضف تعليق

بريدك الإلكتروني لن يظهر علناً احتراماً للخصوصية