أرسل إلى صديق تعليق
تصغير الخط تكبير الخط
  • عابر حياة - لن أركب هذا الباص
    الأحد, 01 أبريل 2012
    ثريا الشهري

    طالب سعودي مبتعث إلى كندا، أراد السفر من مدينته إلى أخرى للضرورة، فلم يجد مقعداً شاغراً بالباص، فكان الحل بعد قطع التذكرة أن يقف مدة الرحلة، فلم يكن أمامه لدقة ظرفه سوى الموافقة، ليقضي أول المسافة على قدميه، ونصفها الثاني على درج الباص الداخلي، ولكنه بحث عن المشرف عند مغادرة القطار ووصوله إلى المحطة، فوجدها امرأة، فشرح لها شعوره بالظلم لدفعه المبلغ كاملاً لمقعد لم يستخدمه، فكيف تصرفت المسؤولة؟ ناولته تذكرة الإياب مجاناً في لفتة تعويضية، وكان بإمكان السيدة ألاّ تتعاون مع الطالب ولا تتفهّم وضعه، لعلمه بالشرط منذ البداية، ولكنها لم تفعل، فكسبت بإنسانيتها التعامل الحضاري من جهة، ورفعت من سمعة المؤسسة الناقلة من الجهة الأخرى.

    هذه الحكاية قصتها عليّ والدة الطالب المتعجِّبة من تصرف ابنها، فهذا الفتى في العادة غير مبال إلى درجة الاستهتار بحقوقه وبالآخرين، «ولكنه قد تغيّر عندهم، لا سيما في ما يتعلق بمسألة حقه واحترام الآخر لهذا الحق» على حد وصف أمه، التغيير الذي لزمه احترام حقوق الغير بالمقابل، مجّبراً أم مخيّراً، لا يلغي النتيجة ذاتها، تحترم نفسك وغيرك فيحترموك، لا تتنازل عن حقك وتطالب به فيتفهّموك. أمّا تعليقي فيتجه إلى صالح الموظفة قبل الطالب لتحملّها كامل المسؤولية، فإن قيل إنه عملها، فالسؤال حينها: وماذا عن مشرفينا؟ فعند تظلّمك لدى موظفينا، فلا أسهل عليهم من التملص وإنهاء الموقف الذي أزعج يومهم سوى أن يجيبوك بعبارة واحدة تتكرر مع كل موقف باختلاف المكان والزمان: «والله هذه هي أوامر الإدارة!»، وقد يكتسي الوجه بعض تعابير التعاطف، وكأنه يفهمك تماماً، ولكن... ماذا بيده؟! فهو موظف وهذه القوانين، وكأن ثقافتنا العربية تعترف بالقوانين من أساسها! إنما هكذا نحن! نستدعيها عند اللزوم، وننساها عند اللزوم.

    يقول الناقد يحيى حقي عام 1963: «لا ينكر الغربي أن مقابل كلمة «معليهش» موجود في لغته، ولكن الذي يستخدمها ليس هو المحقوق بل صاحب الحق، الذي له أن يُستقضى حقه، وله أن يصالح عليه، وله إن شاء أن يتنازل عنه قائلاً «معلــيهش»، فهي ليست للهرب من المسؤولية بل لقبول العذر. أمّا عندنا فهي عيب وتهمة، لأن الذي يستخدمها عادة هو المحقوق لا صاحب الحق»، وطبيعي حين تعرف مسبقاً أنك ستقابل بالابتسامة البلهاء لمجرد أنك طالبت بحقك تلحقها عبارات على شاكلة: عوضك على الله، أو الصبر طيب، أو «معليهش»، وكأنها تدفعك إلى تمزيق أجندتك، وتحطيم ساعتك ومنطقك، ليبقى كل موقف في حياتك عائماً غير مكتمل. حين تعرف مسبقاً كل هذا، وقد يزيد عليه أن تتحول من صاحب حق إلى محقوق، فإلى أي حد يصل مستوى حماستك للمطالبة بحـــقك؟ أكاد أسمع الإجابة، لذلك نحن نتعود على اختصار طريق معاناتنا بالتنازل، فلا مشرفة قطار تراعي ظرفنا، ولا تعويض يطيب خاطرنا سوى «تسكيتة» نرددها: إنه الثمن الذي علمّنا الدرس: لن نركب هذا الباص ثانية.

    [email protected]

أرسل إلى صديق تعليق
تصغير الخط تكبير الخط

Comments

عابر حياة - لن أركب هذا الباص

لا أدري ما المشكلة في ثقافة وتفكير البعض ، تذكرت في مقالك الرائع هذا قصة غريبة حصلت مع احد المدرسين ، عندما طلب من التلاميذ بعد الافطار في الفسحة رمي مخلفات الفطور في الزبائل المخصصة لذلك في المدرسة فما كان من أحد الطلبة الا إبلاغ والده بذلك فحضر ولي الامر للمدرسة ونهى المدرس عن ذلك بحجة ان في المدرسة عامل للنظافة وان ابنه غير مسئول عن ذلك!!!

عابر حياة - لن أركب هذا الباص

في مجتمعنا كل ماكان المرء اكثر وعيا بحقوقه وعمل على المطالبة بها, كلما كان في زاوية مايسمى في العرف الاجتماعي (مشكلجي )هناك صفات معلبة وجاهزة للصرف بدون تمحيص ,ان ضريبة الاخلاق كالصدق والامانة واحترام النفس مرتفعة في مجتمعنا ,ليس من السهل ان يجد المرء ماله وماعليه بالسير في طريق مستقيم , لأنه سيتقاطع حتما مع ثقافة المحسوبية والتدليس والتصريف والتهميش والحسد وعدم الفهم له, وسيجد حقوقه قد بدأت في الضياع, وعندما ياتي للدفاع عنها بكل شجاعة وصدق ووعي سيجد نفسه في الشرك المعهود من انه (مشكلجي ) ان ثقافة الحقوق القائمة على اهواء الافراد ومراكزهم وسلطتهم انتجت هذه الوضع في صعوبة الاستمرار في المطالبة بها ولو كان هناك مؤسسات مدنية فاعلة وتطبيق للانظمة بعيدا عن اهواء الافراد لأصبحت سلوك طبيعي ,الاخلاق لا تلقن ولكنها تعيش بنا وفينا ممارسة وقوانين . ربما ادفع الضريبة هنا بعدم نشر التعليق ؟!

Add comment

The content of this field is kept private and will not be shown publicly.