أرسل إلى صديق تعليق
تصغير الخط تكبير الخط
  • «النهر» لبورزاغي: أساليب السينما الأوروبية تفرض حضورها في هوليوود
    الثلاثاء, 17 أبريل 2012
    إبراهيم العريس

    الى سنوات قليلة، كان هذا الفيلم يعتبر أشبه بأسطورة من أساطير هوليوود، ذلك أن كل نسخه كانت فقدت بعد سنوات قليلة من عرضه للمرة الاولى في العام 1928. ومن هنا ظلّ كل ما يعرف عنه طوال عقود من الزمن، مجرد حكايات تتواتر، مضخمة إياه حيناً، مقللة من شأنه في أحيان أخرى. وأخيراً حين عثر على نسخة (غير مكتملة) منه، تبيّن ان هذا الفيلم كان حقاً من أهم وأقوى أفلام زمنه. ثم تبيّن خصوصاً ان هذا الفيلم الذي حقّق في آخر أعوام السينما الصامتة، يشكل صمته جزءاً أساسياً من سحره، لا مجرد نقص تقني فيه. الفيلم الذي نعنيه هنا هو «النهر»، الذي عرف في اوروبا باسم «المرأة ذات الغراب». اما مخرج الفيلم فهو الأميركي ذو الاصل الايطالي فرانك بورزاغي، الذي بعدما نسيه تاريخ السينما طويلاً، عاد واكتشفه، بفضل «النهر»، ولكن ايضاً بفضل حفنة من أفلام اخرى، حققها الرجل خصوصا خلال فترة ازدهاره السينمائي، أي حين أتيح له، وهو الآتي أصلاً من السينما التجارية، والعائد اليها بعد سنوات جادة في حياته السينمائية، أتيح له ان يحقق أفلاماً كانت كفيلة بأن تدخله زمرة كبار هوليوود، الى جانب جون فورد وهاوارد هاوكس. والحقيقة أن إعادة اكتشاف «النهر» ستؤكد ان هذا الفيلم كان أروع افلامه. بل سيقول كثر إنه اروع فيلم تحدّث عن الحب، بمعناه الإنساني العميق، خلال نصف القرن الأول من عمر السينما.

    > ذلك أن «النهر» هو، أولاً وأخيراً، فيلم عن الحب. وتحديداً عن الحب إذ ينتصر في نهاية الامر، ليس على المجتمع والآخرين الذين يحيطون بالحبيبين، بل على الحبيبين نفسيهما، فالعقبة في وجه الحب الصافي النهائي هنا، هما صاحبا العلاقة آلن جون وروزالي. وما زمن عرض الفيلم، سوى صورة للصراع الذي يخاض حيناً بينهما، وحيناً في داخل كل واحد منهما، حتى بعيداً من مجتمع ما كان له شأن كبير في ذلك الصراع المثلث. والحقيقة ان هذا البعد الاساسي في «النهر» هو الذي ادهش النقاد والجمهور القليل العدد الذي شاهد الفيلم، ازاء عمل لم يكن يمتّ بأي صلة -ولن يمت دائماً بأي حال- إلى الأنماط الهوليوودية من الأفلام الغرامية. بل إن النقاد تساءلوا دائماً عما مكّن مخرجا ولد في سالت ليك سيتي، وعاش في الولايات المتحدة، وخاض باكراً لعبة السينما التجارية الهوليوودية، من ان ينظر الى العلاقات الانسانية بكل تلك الشفافية. ما أبقى تلك النظرة لغزاً دائماً، حتى وإن كان بورزاغي نفسه حقق بعد «النهر» عدداً من أفلام جمعت، بحسب الناقد الفرنسي جورج سادول «حس العلاقات الانسانية بالشرط الاجتماعي، وسط مناخ من الشاعرية المذكورة». ومعظمها أفلام يرى سادول نفسه انها عبرت «خلال تلك الحقبة الصعبة من تاريخ أميركا عن كراهية الحرب والنزوع دائماً نحو الانسان».

    > ولنعد هنا الى «النهر» ... فما الذي يحكيه لنا هذا الفيلم؟ انه يروي حكاية تبدأ على مركب يحمل حطّاباً شاباً قوياً هو آلن جون، زاحفاً مع مجرى النهر، في آلاسكا، حتى البحر. وعند نقطة يبنى عليها سدّ، لا يعود في وسع المركب مواصلة طريقه، فيتوقف في مكان كان حدث فيه لمهندس بناء السدّ أن أُودع السجن لأنه قتل عاملاً حاول التحرش بصديقته المدعوة روزالي، والتي سنعرف لاحقاً انها فتاة متحررة كانت زارت بلداناً اوروبية عدة قبل ان تستقر هناك مع صديقها المهندس. اذاً، اذ يتوقف آلن جون في ذلك المكان ويتناهى اليه ما حدث، يبدأ بمراقبة روزالي من بعيد، ويزداد اهتمامه بها، ويودّ التعرف اليها، اذ يجدها مختلفة حقاً عن كل النساء اللواتي سبق له التعرف بهن. وهكذا، وسط بقعة نائية هجرها عمال بناء السدّ، لأن حبس المهندس أوقف العمل فيه، تبدأ بالنشوء علاقة غريبة ومتأرجحة، صامتة في معظم الاحيان، بين الحطاب الآتي من الغابات الضارية، والفاتنة التي عرفت الحياة الاوروبية، والتي تقبع الآن في انتظار خروج صديقها من سجنه كي تستأنف معه حياتها. وإذ تمضي الأيام، تزداد حدة رغبة آلن جون وروزالي بعضهما تجاه بعض. ولكن عبر نظرات العيون فقط. في البداية لا يقوم أي منهما بمبادرة واضحة تجاه الآخر. وبعد ذلك، حين تبادر هي، يبتعد هو غير مصدّق. وحين يبادر هو تستنكف هي غير راغبة. وذات يوم يدفع بها كل هذا الموقف العبثي الى حال من الغضب شديدة، اذ تعتقد انه انما يعبث معها ويسخر منها، فتمسك سكيناً تطعنه بها في غفلة منه. وإزاء تلك الطعنة، يشعر آلن جون بأن جرحه مزدوج: جرح جسده، ولكن أيضاً وأكثر من هذا، جرح كرامته. ويشعر انه لم يعد امامه، متغلباً على رغبته التي باتت مجنونة، بهذه المرأة، إلا ان يبتعد... وهكذا يهيم في الغابات منتضدياً فأسه ويروح في مشهد رائع، يحمل قوة الفيلم كله، ويحمل كل مغزى رغبته العارمة بروزالي، محطماً الأشجار واحدة بعد الأخرى كالمجنون صارخاً كالحيوانات الضارية. وإذ يصل هنا الى ذروة صراخه، يقع على الأرض وقد أضناه الصقيع. وعند الصباح، يحمل الى كوخه حيث ما إن تشاهده روزالي حتى يصيبها رعب مدهش، كما تصيبها حال هيام به لم يسبق ان استشعرتها من قبل، وهكذا ترتمي فوقه محاولة ان تنقذه من الموت الوافد اليه، عبر نقل حرارة جسدها اليه، كترياق وحماية وكفعل حب في الوقت نفسه. وبالفعل يكون في هذا إنقاذ له، إذ يستعيد حياته. وهو ما أن يفيق، حتى يشعر الاثنان انه لم يعد ثمة مجال لأن يفترقا بعضهما عن بعض من الآن فصاعدا. واذ يحل الربيع بعد ذلك، يكون العاشقان قد تخلصا من المهندس، وصعدا على متن مركب آلن جون الذي يمخر بهما النهر في اتجاه البحر....

    > اذاً، نحن هنا امام عمل تلعب فيه العاطفة والرغبة دوراً كبيراً، لكننا ايضاً امام عمل جوّاني من الواضح ان العنصر الخارجي (المناخ، الثلوج، المهندس... وما الى ذلك) حتى ولو كان موجوداً وحقيقياً، لا يشكل عنصراً اساسياً في تلك الحال من الجذب والنبذ، الابتعاد والدنو، التي تعتري كائنين كانا عرفا منذ التقت عيونهما للمرة الاولى، والتقت بهما عيون متفرجي الفيلم بالتالي، انهما لم يخلقا إلا لكي يلتقيا ويعيشا معاً، او يموتا معاً. ولئن اختار كاتب القصة ثم المخرج، عيشهما معاً كنهاية سعيدة للفيلم، فإن الامر سيّان، طالما ان ابتعادهما مع مجرى النهر، في اتجاه البحر، هو في الوقت نفسه ابتعاد نحو المجهول، وموت لماضي كل منهما.

    > إن أهل السينما والنقد تأخروا في اكتشاف هذا الفيلم، اما الذين اكتشفوه باكرا، حين عرض قبل ان يختفي، فقد انقسموا حياله قسمين: واحد ينظر اليه كحكاية حب نادرة، وقسم آخر اساء فهمه، على بساطة موضوعه. ومن هنا اعتبر «النهر» من الافلام الملعونة في تاريخ السينما، حتى وان كانت عروضه الاوروبية أسبغت عليه نجاحاً كبيراً، واعتبرته صحافة اوروبا «واحداً من الأفلام النادرة التي تحرك فيها عواطفنا الدفينة، الوجه الحقيقي للحب»، بحسب تعبير «مجلة السينما» الفرنسية في ذلك الحين. ناهيك بأن احد كبار مؤرخي السينما السوريالية، اعتبره منتمياً الى هذه السينما ورأى فيه «توازناً غرامياً فريداً من نوعه» (آدو كيرو في «السوريالية في السينما»). اما مخرجه فرانك بورزاغي (1893-1961)، فإنه، كما أشرنا، بسبب اختفاء هذا الفيلم المبكر، وعدم تأقلمه تماماً مع المقاييس الهوليوودية، عاد لاحقاً الى السينما التجارية، بعدما حقق اعمالاً مهمة، مثل: «الرفاق الثلاثة» و «أهل المنطقة» و «الرغبة» خلال سنوات الثلاثين من القرن العشرين. وهو حين رحل عن عمر يناهز الثامنة والستين، خلّف وراءه سجلاً حافلاً بشتى انواع الافلام، التي كان آخرها فيلمه غير المكتمل «الاطلانطيد» (1963) الذي مات من دون ان ينجزه.

    [email protected]

أرسل إلى صديق تعليق
تصغير الخط تكبير الخط

Add comment

The content of this field is kept private and will not be shown publicly.