هل تؤيد عمل المرأة "كاشيرة" في المحال التجارية؟
نعم
39%
لا
41%
بضوابط
20%
عدد الأصوات: 943
أرسل إلى صديق تعليق
تصغير الخط تكبير الخط
  • في الطريق إلى اليمن... مع صاحب مَن ومَن..!
    الاربعاء, 01 ديسيمبر 2010
    أحمد بن راشد بن سعيّد

    حدَّث سهمُ بن كنانة قال:

    شدَّني الحنينُ إلى الدِّمَنْ، فيمَّمتُ وجهي شطرَ اليمنْ، وتزودتُ بالماء والتمرْ، وفوضتُ أمري إلى من له الأمرْ، ومثلي من يركبُ المنى وينسى الحذرْ، ويبددُ الخوفَ شذرَ مذرْ، ويتكبدُ مشقة الطريقْ، ويَتَقَحَّمُ الوحل والحريقْ، ولا يتهيبُ صعودَ الجبالْ، ويقبلُ على المخاطر أيَّما إقبالْ، ولاحتْ لي بلادُ تهامة، فقلتُ: هذه والله العلامة، وغداً أعانقُ اليمنْ، وإن لم يكنْ سهمٌ حبيبَها فمنْ؟ إنها اليمنُ السعيدْ، وما قبابُها عني ببعيدْ، وبينا أنا سائرٌ في دربي، أحذرُ الآخرة وأرجو رحمة ربي، في يومٍ تهاميِّ الطلْ، يَعبُقُ بأريج الفلْ، رأيتُ نُزُلاً صغيراً على تَلْ، فقصدتُه وأنختُ راحلتي عنده، ثم سألتُ صاحبَه: ألديكَ مكانٌ أستريحُ فيه، أو روضٌ ألثمُ سواقيه، فقد بلغَ بي التعبُ أشدَّه، ولمْ أشرب الماءَ منذ مُدة، قال الرجل: لدي من النُّزُل ما يريحُ النيامْ، ومن الشُّرب ما يُبيدُ الأوامْ، فشكرتُ له لطيفَ عبارتِه، ورقيقَ وفادتِه، واتفقتُ معه على الإقامة ليلتينْ، على أن أدفعَ له مئتينْ، ولما حانَ وقتُ الرحيلْ، وكانت الشمسُ للغروب تميلْ، وأزفتْ لحظةُ الحسابْ، والتاجرُ بطبعه كسَّابْ، فاجأني بأن طلبَ ضعفَ ما اتفقنا عليه، وهو يزمُّ باحتقارٍ شفتيه، فجادلتُه وحاججتُه، وناقشتُه وهارشتُه، لكنه أصرَّ على كذابه، وعزَّني في خطابه، فغلى الدم في عروقي، حتى صرتُ كأنني بركانْ، ولا بدَّ للمكبوتِ من فَيَضَانْ، وحذرتُه من مغبة قهري، واختبار تجلدي وصبري، قائلاً له بالنَّصْ، وأنا أتجرعُ الغُصَصْ، كُفَّ عن الغيْ، ولا تظلمْني في شيْ، فإن الله قال في الوحي المبينْ، «فلنقصَّنَّ عليهم بعلمٍ وما كنا غائبينْ»، فزعم أني أسأتُ الفَهم، وضربتُ في الجنون بسهمْ، وقال: إنما المئتان للسريرْ، وليستا للمقعد الوثيرْ، ولا للكنيف الأثيرْ، ولا للكوَّة التي تستروحُ من خلالها الشذى، ولا للقفل الذي يردُّ عن مثواك الأذى، ولا للجُدُر التي تضمُّك بحنانها، وتلمُّك بأركانها، وتقيك تسرَّبَ الهوامْ، وتُجنِّبك تطفَّلَ العوامْ، ولا لمفتاح الغُرفة، ولا لمزلاج الشُّرفة، ولا لخزْنة المالْ، ولا لخدمة الأعمالْ، ولا للإطلالة على التلْ، والتسبيح لله عز وجلْ، ولا لسجادة الصلاة، ولا لجريدة (الحياة)، و لا لأخبار التلفازْ، بين تفصيلٍ وإيجازْ، ولا لتدليلك بالاختيارْ، من تشكيلة الميني بارْ، ولا لتلبية طلباتِك، وتحقيق رغباتِك، فكأنك الملكُ ونحن الجواري، أو كأنك الصيادُ ونحن الحباري، أو كأننا ملائكةٌ موكَّلون بحفظكْ، أو ربما كنا بابَ سعدك وحظكْ، أوَ بعد هذا تزعمُ أني ظلمتُك، وغمطتُ حقك وما أكرمتُك، وعلا صوتُ الرجلْ، وتجمع الناسُ في النزلْ، وأقسم أمامهم بعتق غلمانه، وهجر نسوانه، ألا أغادرَ الحجرة، حتى أضاعف له الأجرة، فألحُّوا عليَّ بالدفعْ، وهددني بعضُهم بالصفعْ، وقال أحدُهم: استغن عن حاجتِه، ودعك من لجاجتِه، وصاح بي آخر: كنْ صاحبَ المبادرة، وعجل بالمغادرة، وأحاط بي رجلان، قال أحدهما: إنه جاهلٌ فأعرضْ عنه، ومن ترك شيئاً لله عوَّضه خيراً منه، وقال الآخر: إن تحتسبْ، خيرٌ من أن تكتسبْ، أنسيتَ أن القناعةَ كنزْ، وأن الدنيا لا تساوي عفطةَ عنزْ؟ وأمسك رجلٌُ بتلابيبي وأنشد:

    غـنِّ للشـرِّ على البعد فمـا

    أســــوأ الشـرَّ إذا   الشــــرُّ رمى

    إن رأيتَ النــارَ تشـتدُّ لظى

    فانسـكابُ الماء يُطفي الضّــَرَما

    وتنـازلْ رُبَّ مســــــــلوبٍ غـدا

    صانعَ النصر وشـيخَ الحُــكَمَا

    لا تقـلْ قـاومْ فمـا أفلحَ  منْ

    شَهـَرَ السـيفَ  وأحيا الهمــما

    طأطىء الرأسَ إلى أن تنجـلي

    عاصفـاتُ  الخوف  حتى تَسْـلما

    كلُّ   منْ   يُغضي  على ذلتِه

    يربحُ   البيـعَ   ويَجني المغـنما

    واحتمالُ الغيظ موصولُ العُرى

    بالثــواب الجـمِّ فــازددْ نعمـــــا

    لتكنْ  أنتَ  الذي  لاقى  الأذى

    بجميـلِ الصـــبرِ لا مـــــنْ  ظَـلَما

    وهمس لي فيلسوفٌ منهم: إن دفعتَ له الضِّعفْ، تحوَّلتَ من القوة إلى الضَّعفْ، غير أنك ستصبحُ آيةً في العطفْ، وشامةً في اللطفْ، وما يضرُّك لو دفعتَ فارتفعتْ، وقبضَ فانخفضْ، وبلغتَ في النبلِ الغاية، وصارَ في الجشعِ آية، ثم إنَّ تنازلَك عينُ الحكمة، لأن فيه حقناً لدماء الأمة، وصداً لأبواب الشيطانْ، وحمايةً للراكب والقبطانْ، وصدَّعوني بالهراءِ والبلبلة، وشعرتُ أني رجلٌ سبَهْللة، واستشهدتُ بقول القائل: غيري جنى وأنا المعذَّبُ فيكمو/ فكأنني سبابةُ المتندِّمِ.

    والغريبُ أنهم لم ينصحوه بحرفْ، بل كانوا يغضُّون عن زعيقه الطَّرْفْ، ويبسطون له أجنحةَ السلامْ، ويرفؤونه بأحسنِ ما يجدونَ من الكلامْ، وينادونه بكُنيتِه، ويدعون الله بسلامتِه، ومع أني لا أحبُّ أن أبدوَ كالبقرة الحلوبْ، ولا كالمطيَّة سهلة الركوبْ، إلا أنني لم أستطعْ مصارعةَ الموجْ، ولا مقارعةَ الفوجْ، فدفعتُ له مبتغاه، وشكوت حالي إلى الله، ولما صرتُ خارج النزل، تبعني رجلٌ ممن شَهِد العراكْ، وتمتم قائلاً في ارتباكْ: كلنا يعلمُ أنه محتالْ، مهووسٌ بكنز المالْ، وقد رأى الناسُ منه ما يُشيبُ الرضيعْ، ويُسيل النجيعْ، فعجبتُ منه يذمُّه، وقد كان قبل قليل يلاعبُه ويشمُّه، فسألتُه عن اسم الرجل وشأنه، فقال: ألا تعرفُه، إنه العزازُ أبو نصرْ، ذاك الذي طبَّقتْ شهرتُه كلَّ مِصرْ، فزادَ عجبي مما لقيتُ ذاك اليومْ، وتذكرتُ قولَ شاعر القومْ: ومنْ لمْ يُصانعْ في أمورٍ كثيرةٍ/ يُضَرَّسْ بأنيابٍ ويُوطأْ بمِنْسَمِ، وطفقتُ أتأملُ حال أهل النزل متمتماً: والله لو شَدَخَ أبو نصر رأسي بفأسه، ما زادهم إلا تعظيماً له وتسبيحاً بقدسه، ليس على أبي نصرٍ من حرجْ، وحسبيَ الذي بيدِه الفرجْ، وواصلتُ طريقي إلى اليمن، وأنا أتذكر صاحب من ومن ومن.

    * أكاديمي وصحافي سعودي.

    [email protected]

أرسل إلى صديق تعليق
تصغير الخط تكبير الخط

تعليقات

في الطريق إلى اليمن... مع صاحب مَن ومَن..!

كم انت رائع يا دكتور احمد فعلا انت تحس نبض الشارع العربى كله لان حال المسافر هو حال الشعب المصرى مغلوب على امره
مع خالص تحياتى ومزيد من التقدم وتمتعنا ببلاغة كلماتك دوما،،، طارق محمود / القاهرة

في الطريق إلى اليمن... مع صاحب مَن ومَن..!

مقامة لطيفة وظريفة وهادفة، ولكن: هدى الله سهماً على ذهابه بالسيارة وتجشم الصعاب أما كان الأولى أن يذهب بالطائرة إلى هدفه مباشرة دون المرور بمن يصرون على التحايل على الناس وخداعهم.

في الطريق إلى اليمن... مع صاحب مَن ومَن..!

روعة . بلغني النبأ أيها المبدع .

في الطريق إلى اليمن... مع صاحب مَن ومَن..!

أروع ما لمحت في هذا النص السردي المقامي البراعة في انتقاء واستعمال أدوات الربط, والحذق بمواطن الفصل والوصل, مما أدى بالجمل المؤلفة لنسيجه أن يأخذ بعضها بعناق بعض في إحكام منقطع النظير, فضلاً عن طرافة الحدث وجمال الأسلوب وفتنة اللغة التي عرف بها الكاتب. شكرًا لك

في الطريق إلى اليمن... مع صاحب مَن ومَن..!

أضحك الله سنك ياسهم...
صراحة كنت اليوم منهمك في زحمة أعمال وما أذكر أنني تبسمت ضاحكاً إلا اللحظة..

رائعة من روائعك المعتادة وكلنا شوق لمقامة أخرى...

في الطريق إلى اليمن... مع صاحب مَن ومَن..!

مقامة رائعة ومتميزة وتصف بجلاء ووضوح واقعا مخجلا نعيشه.
شكرا جزيلا لكم ابومحمد على مساهمتكم القيمة وبارك الله فيكم

تقديري وامتناني ومودتي

في الطريق إلى اليمن... مع صاحب مَن ومَن..!

وهددني بعضُهم بالصفعْ، الأ يكفيه انك تعاني كل ماء نظرت الي وجهه , لازال يفكر في الصفع .جميل انه لم يذكر جدك السابع ويدعو له .. أنسيتَ أن القناعةَ كنزْ، وأن الدنيا لا تساوي عفطةَ عنزْ؟ هو الآخر مسكين اولم يعلم بعد بان القناعة في بعض الأحيان بل معضم الأحيان كنز لايحمل أي قدره شرائية . جميل دكتور مقامات اكثر من رائعه , احسدك عليها .

في الطريق إلى اليمن... مع صاحب مَن ومَن..!

كأن أحمد يتحدث عن حالنا نحن السعوديين..فما قام به أهل النزل من التضامن مع العزاز (المستبد او اللص)هو نمط سلوكي شائع في أوساط الشعب السعودي وكثير من العرب، حيث ينحازون إلى الطرف الأقوى مع معرفتهم بالحق، ويجدون لذلك ألف مبرر ومبرر: الحكمة، الاحتساب، الصبر، تغليب حال المظلوم على الظالم، إيثار السلامة، الفرار من المواجهة، البعد عن الشر وأهله، وغير ذلك من مفردات قاموس الانهزامية. وعندما يظفر القوي يما يريد بفضل طوابير الجبناء، يتجلى مشهد آخر يغير فيه القوم جلودهم ومواقفهم ويظهرون التعاطف بشكل مفاجىء وغير مفهوم مع الضحية.
نجح الكاتب في تصوير هذه السلوكات الشائعة على شكل مقامة أو حكاية مسجوعة...

في الطريق إلى اليمن... مع صاحب مَن ومَن..!

الحمد لله على سلامتك، وقد نفذت بثوبك وعمامتك، ولو أن في نفسي شيء على من نصحك بطاطأة الرأس، فهو لا يعلم أنك أبي النفس شديد البأس. 

جريدة الحياة

تأتي بكل خبر جديد، وبكل مقال مفيد، كمقامتك هذه التي تستحق أن تضم إلى ( العقد الفريد).

في الطريق إلى اليمن... مع صاحب مَن ومَن..!

هذي من فضائل السفر وفوائده..اكتساب التجربة..وصحبة ماجد..وإن كان سهم غير محظوظ في الصحبة..لكن ما بين لنا الكاتب هل دفع (كاش) أم (بطاقة ائتمان)..وهل أخذ أبو نصر (تأمين) مسبق أم لا..
المهم الحق على ابن كنانة..لو كنت في مكانه ما دفعت لذلك اللص إلا حقه..والناس في الفندق ليسوا حجة على الحق..وأبشر بالعوض يا سهم..

في الطريق إلى اليمن... مع صاحب مَن ومَن..!

برائحةالفل والكادي الزكية التي تعبق من مقامتك الرائعة هذه تعليقاتي:
1. إختيارك لعنوان المقامة كان دقيقاوموفقا ولخص واقع المغالطة والمداهنة في هذا الجزء من خارطة العالم.
2.أستخدامك أوصافا من واقع البيئة مثل : قباب البمن - يوم تهامي الطل يعبق بأريج الفل ..الخ .ينمو على حسن إلمامك.
3.تأكيدك على الصبر والمصابرة والمصانعة في هذه الحياةأمر لابد منه (واحتمال الغيط موصول العرى .......... بجميل الصبر لا من طلما) + (ومن لم يصانع في أمور كثيرة ........الخ).
4. ماعاش من يصفعك ياأبا محمد وأبوعاصم حي يرزق (وهددني بعضهم بالصفع) ... (أمازحك) . دمت علما متألقا يرجع إليه في كل زمان ومكان .

في الطريق إلى اليمن... مع صاحب مَن ومَن..!

ماشاء الله ..لاجديد سوى مزيد من الروعه كما عودتناا

في الطريق إلى اليمن... مع صاحب مَن ومَن..!

الدكتور الفاضل أحمد بن راشد بن سعيد حامل لواء أدب المقامة الرفيع في زمننا ..

تقرؤ مقامته فترى مسرحيةأنس لاتمل , ترى امام ناظريك أشخاصا يدعونك للبر ومكارم الخلق وبأسلوب غير مباشر بعيد عن التقريع والزجر , فيتسلل لك الخير وأنت تبستسم .

تقرؤ مقامته فترى مسرحية تلقى بأدب رفيع , وعبارات بليغة , بألفاظ اختيرت بعناية لتعطي قارءها ذخيرة هائلة من الكلمات الفصيحة .

كل ذلك في جو بديع من المرح والفكاهة المصاغة بعناية البعيدة عن التكلف والابتذال .

فجزى الله دكتورنا خيرا حين أتحفنا بمثل هذه الدرر ,,

وجزى الله جريدة ( الحياة ) خيرا حين أتحفتنا بمثل هذا الكتاب ,,

في الطريق إلى اليمن... مع صاحب مَن ومَن..!

د.احمد بن سعيد، هنيئا لك بما قلته في حق اليمن السعيد، فلم تأتي الا بالقول السديد، وماذلك عنها ببعيد، اقدم لك جزيل الشكر ... مقالة رصينة

في الطريق إلى اليمن... مع صاحب مَن ومَن..!

هكذا تكون المقامة
تحتوي على قصة مكتملة العناصر من شخصيات وحوار وزمان ومكان وحدث وعقدة وحل
وليس كما كتب بعض من لا يفقه في المقامات شيئا يظنها سجعا سامجا فقط
تحياتي للدكتور المبدع الجميل أحمد بن راشد بن سعيد

في الطريق إلى اليمن... مع صاحب مَن ومَن..!

صدق والله صاحب القصة..المشكلة هي البطانة..البطانة..هذي طبائع الاستبداد..ومصارع الاستعباد..ورحم الله الكواكبي..!

في الطريق إلى اليمن... مع صاحب مَن ومَن..!

الحقيقة أنها معاناة مع شخص مجرم بحق، ولكن المشكلة لا تأني دائماً من المجرمين، بل من الناس الذين لا يأخذون على أيديهم ولا يوقفونهم عند حدهم..وهذي مصيبتنا..لو كان المجتمع ناضجا وقويا ويرفض الظلم ما ظهر وتنمر مثل صاحب النزل..المهم أن سهم بن كنانة واصل طريقه ..وتبقى الذكرى والتجربة خير ما يعلم الإنسان.

اضف تعليق

بريدك الإلكتروني لن يظهر علناً احتراماً للخصوصية