أرسل إلى صديق تعليق
تصغير الخط تكبير الخط
  • قولي كلمتك
    الأحد, 10 يوليو 2011
    ثريا الشهري

    قبل اندلاع الحرب الأهلية في لبنان عام 1975، وحتى قبل الغزو الإسرائيلي للبنان عام 1982، كان البعض يستشعر أن نشوب الحرب بات أمراً حتمياً ووشيكاً، فجاءت الأعمال الأدبية لغادة السمان وإيتل عدنان زاخرة بالخوف من الحدس والتوقع، ففي رواية السمان في أواخر عام 1974 وعنوانها «بيروت 75»، تقول إحدى شخصيات الرواية بلسان العرّافة: «أرى الدم..أرى كثيراً من الدم»، لتعود الكاتبة بعد عدة سنوات إلى استخدام صيغة الكوابيس في روايتها «كوابيس بيروت»، حيث تنقل القارئ إلى مشاهد الرعب والهلع في معركة الفنادق التي خاضتها الفصائل المتناحرة، وبسببها حوصرت بطلة الرواية - شأن مؤلفتها- وتقطعت بها سبل العودة، أما «نبوءة عربية» وهي من تأليف إيتل عدنان في عام 1980، فتتناول سلسلة من الأحاسيس والهواجس الداخلية التي سبقت الغزو الإسرائيلي للبنان بشعر متقاطع مع الرموز والشخصيات مثل شظايا متطايرة من قنبلة انفجرت، أو دم متدفق من جرح غائر، وقد تكون هذه الأعمال الأدبية قديمة بعض الشيء ولكنني أوصي بها القارئ الحريص على قراءة حاضره، فلم تختلف الأوضاع كثيراً.

    أن تكتب المرأة عن أهوال الحروب وويلات الثورات وهي أول المتضررين بها، فهذا واجبها الإنساني قبل الأدبي، وقد عرفنا نساء عربيات منتميات إلى هذه المدرسة أظهرن الشجاعة والجرأة في الطرح والتحليل، وكيف أن إنجازات المرأة في أوقات الأزمة والشدة، هي التي يجمع المجتمع الذكوري على نسيانها بانقضائها واستتباب الأمر، ولا شك أن تكرار تجريد النساء العربيات من سلطاتهن في أعقاب الحروب صار درساً محفوظاً، وفي ذلك شرعت الروائية الجزائرية «آسيا جبّار» والمرشحة لنيل جائزة نوبل لعام 2009، إلى إصدار رباعيتها التي وصفتها بسيرتها الذاتية، حيث المزج بين الذاكرة والتاريخ والمراجعة العميقة للاستعمار الفرنسي للجزائر بعيون الأنثى، ثم الربط بين قصص نساء حركة المقاومة اللواتي حذفت أسماؤهن من السجلات التاريخية في القرن التاسع عشر، بقصص وحكايات لنساء حاضرات واجهن أقداراً متشابهة، ومن رواية «نساء الجزائر» إلى «ظل السلطانة»، ثم «الحب والفنتازيا» و «بعيداً عن المدينة»، لتخلص الكاتبة إلى أن حرب التحرير الجزائرية لم تغير كثيراً في الظروف المادية والاجتماعية لحوالي نص سكان الجزائر، وطالما أن التمييز ضد النساء اللاتي وقفن وأثبتن وطنيتهن لا يزال قائماً ومستمراً، فلا يعتبر خروج الفرنسيين من البلاد نجاحاً قومياً، فماذا عن تجربة الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين؟ تجسدت من مدينة نابلس المحتلة بقلم الروائية الفلسطينية «سحر خليفة»، بالأساليب التي تلجأ إليها بطلات رواياتها في المقاومة والاقتتال ضد المحتل، بفاعلية أكبر من تلك التي يتبعها الرجال، فالأمهات اللاتي يغذين أبناءهن بالحجارة لرشق جنود الاحتلال استطعن قلب قواعد اللعبة ولو لفترة، في تحول لأعمال المقاومة الفردية للنساء إلى استراتيجية موحدة للعمل الثوري ضد الظلم والطغيان.

    الأعمال الجادة والذكية التي تكتب اليوم عدا عن كونها ستؤرخ المجريات وتترجم إلى اللغات، سوف تحفظها مكتبة التاريخ وتكون مرجعاً يشرح المرحلة التي تفككت فيها مجتمعاتنا وخرجت من سياق إلى آخر إلى ثالث قبل أن تعي متى دخلت وإلى أين خرجت، وهي مهمة المثقف العربي المخلص الذي يعرف كيف تكون مسؤولية أن يعيد للمجتمع توازنه بفكره وابداعه، أما الحسابات والمكاسب الشخصية فلا وقت لها الآن، وقد تكون المرأة في هذه الجزئية بالذات أخلص من الرجل، فوقع الحوافر أوقع في روحها من رد فعل الرجل الذي يسمع الصوت ثم يعتاده، فالمرأة أوفى للألم وتجسيده، ومع ذلك، وحتى مع عدالة القضية غير أنه يبقى عليها التحكم وبتصميم قوي بطبيعتها الوجدانية المتحيزة لصالح الموضوعية التاريخية.

    [email protected]

أرسل إلى صديق تعليق
تصغير الخط تكبير الخط

اضف تعليق

بريدك الإلكتروني لن يظهر علناً احتراماً للخصوصية