أرسل إلى صديق تعليق
تصغير الخط تكبير الخط
  • تصعيد عربي مطلوب
    الخميس, 11 أغسطس 2011
    حسان حيدر

    لم تستطع الكياسة الديبلوماسية المفرطة التي اعتمدها وزير الخارجية التركي داود اوغلو لوصف نتائج زيارته الى سورية اخفاء النتائج الضئيلة التي عاد بها بعد ست ساعات ونصف الساعة من المحادثات المنفردة والموسعة مع الرئيس السوري بشار الاسد. اذ ما كادت طائرته تغادر الاجواء السورية حتى اعلنت دمشق انها «لن تتهاون» في مواصلة حملتها الدموية لاخضاع المحتجين، وهو كلام سمعه الوزير التركي مصحوباً بمحاولات التذاكي السورية المعتادة في اللعب على عامل الوقت، ووعود قدمت اليه عن «خطوات اصلاحية مهمة» ستعلن خلال ايام وعن خطوات امنية محدودة يمكن التراجع عنها بسهولة.

    كانت الاولويات واضحة تماماً في البيان السوري عن المحادثات: قمع الانتفاضة أولاً ثم يمكن الحديث عن اصلاحات تبقى غامضة وصورية. وهذا العناد الذي واجهته انقرة هو الذي دفع قبل ذلك بيومين السعودية والكويت والبحرين الى اعلان يأسها من امكان عودة الحكم في دمشق عن اعتماد الحل الامني في مخاطبة شعبه، فقررت سحب سفرائها احتجاجاً على سفك الدم المتواصل، وهو ايضاً ما دفع القاهرة الى الخروج عن صمتها والتحذير من ان دمشق تتجه نحو «نقطة اللاعودة». وكانت قطر، الدولة التي راهنت بصدق على الأسد واستثمرت في بلاده سياسياً ومالياً، توصلت الى الخلاصة ذاتها، وهي ان النظام السوري لا يعرف سوى المراوغة ولا يمكن الوثوق به وباصلاحاته المزمعة.

    ومع اهدار «الفرصة التركية» الاخيرة، يكون الحكم السوري اختار المواجهة مع العالم كله، ولم يبق له من سند سوى ايران وأتباعها في لبنان، ذلك ان روسيا والصين بدأتا اعادة النظر في موقفيهما من دمشق والابتعاد عن الدعم غير المشروط لها ودعوتها الى وقف المواجهات، نتيجة الاحراج الذي تسببه لهما انباء وصور المجازر القادمة من المدن السورية، ولانهما لا تستطيعان الاستمرار في مقاومة الاجماع الدولي إلى ما لا نهاية.

    لكن المشكلة الفعلية هي ان العزلة المتزايدة التي يتعرض لها النظام السوري قد لا تنعكس تغييراً سريعاً في سلوكه، بل انه قد يستغلها، مثلما فعل في السابق، في احكام قبضته الامنية على الشارع عبر المزيد من القتل والاعتقال، لأنه يعرف ان العالم متردد كثيراً في التدخل المباشر لوقفه. وحتى تركيا التي تعتبر الازمة السورية شأناً يخصها نتيجة الحدود الطويلة والتداخل السياسي والأمني بين البلدين، تفضل في الوقت الحاضر عدم منح الاسد اي ذريعة لتحويل رفضه الاعتراف بالمطالب الشعبية الى مشكلة بين دمشق وانقرة، ولهذا كان حرص داود اوغلو على انتقاء تعابيره بعناية فائقة وعدم التلويح بأي عمل عسكري او أمني طالما ان ذلك ليس من اولويات بلاده.

    ما الذي يمكن فعله اذاً لانقاذ السوريين من نظامهم؟ العملية معقدة وطويلة، وتتطلب جهوداً كبيرة قبل التوصل الى اجماع دولي على خطوات فاعلة، ولا بد من ان المعارضة السورية تدرك ذلك وتعوّل على قدراتها الذاتية في مواصلة الاحتجاجات رغم الثمن الباهظ الذي تدفعه، لكنها تأمل على الأقل في ان تصعد دول العالم، وخصوصاً الولايات المتحدة، لهجتها ازاء الحكم في دمشق وتدعو الاسد بوضوح الى التنحي، وان تتخلى الدول العربية عن ترددها وتشارك في فرض عقوبات اقتصادية ومالية عليه، وتتخذ موقفاً موحداً لادانة نهجه في اطار الجامعة العربية، لمساعدة المعارضة على الصمود وتعزيز آمالها في التغيير.

أرسل إلى صديق تعليق
تصغير الخط تكبير الخط

اضف تعليق

بريدك الإلكتروني لن يظهر علناً احتراماً للخصوصية