أرسل إلى صديق تعليق
تصغير الخط تكبير الخط
  • البعادي: التقويم الشامل للتعليم السعودي أدير بطريقة «سيئة» ... وفشل!
    الثلاثاء, 11 أكتوبر 2011
    الرياض – خالد الباتلي

    الدكتور حمد البعادي قامة تربوية كبيرة في منظومتنا التعليمية، عنيد في لين وليبرالي مع ثوابت، يعرف للمعادلات ولا يهاب الغوص، على يده تأسست إدارات تربوية للموهوبين وللتعليم الأجنبي وكانت له تجربة مميزة في اقتصاديات التعليم، مارس الأكاديمية باحترافية ونزل للميدان وأثبت أن الأكاديمي ليس في برج عاج فقط، بل إنه قادر على التكيف مع الثوابت والمتغيرات حوله، كانت بصماته واضحة إبان فترة الدكتور محمد الرشيد في وزارة التربية تلك الفترة التي أطلقت الأفكار في كل اتجاه وكانت كثرتها سبب في عطبها السريع لاحقاً، يملك رؤية قد لا تعجب الكثيرين، وفي حواره مع «الحياة» شيء من هذه الرؤية... فإلى التفاصيل:

    > ما المنصب الذي أحرقك ليستضيء به غيرك؟

    - أي عمل فيه احتكاك بالناس ومصالحهم أو رؤاهم لا بد أن يكون فيه أحياناً توتر وصعوبة وربما اصطدام، لكن إذا كان المسؤول واثقاً من نزاهة دوافعه وشفافية وسائله فلا داعي للاحتراق. يواجه الأمور بأحسن ما لديه من الاجتهاد، فإن لم يوفق فيستقيل.

    > هل كان قراراً سهلاً عليك الخروج من الوزارة والاتجاه للقطاع الخاص؟

    نعم، جئت للوزارة من القطاع الخاص، إذ كنت نائباً تنفيذياً للرئيس في مؤسسة بيت الرياض/ الجريسي. فلما انتهت مسؤولياتي في الوزارة كان من السهل أن أعود إلى العمل الخاص. ومما ساعدني في ذلك أني كنت دوماً أدير العمل الحكومي بأساليب القطاع الخاص، ولذا تغيرت الأماكن ولكن لم تتغير الأساليب.

    > وأنت ترى الوزارة الآن من الخارج... هل تشعر بغصة ما؟

    - ولماذا الغصة؟ لقد أديت مسؤولياتي في الوزارة وفي مؤسسة الموهوبين وخرجت راضياً عن إنجازاتي، وأسأل الله التوفيق لمن حلوا في مكاني.

    بين الرشيد والعبيد

    > عاصرت حقبة الوزير (الرشيد) وحقبة الوزير (العبيد)... في الأولى كان لك شنة ورنة، وفي الأخرى تواريت وخرجت... كيف تقرأ تلك الحقبتين؟

    - الدكتور محمد الرشيد كان أستاذي حين كنت طالباً، ثم رئيسي حين صرت معيداً، ثم زميلي في قسم التربية بجامعة الملك سعود، إذ عملنا معاً في الفريق الاستشاري لرئيس تعليم البنات، والفريق الاستشاري لغرفة تجارة الرياض. واشتركنا في إنشاء مدارس الملك فيصل بتكليف من مؤسسة الملك فيصل الخيرية، وعملنا في مشاريع كثيرة أخرى. وأشترك معه في كثير من رؤاه ومثالياته، فلما صار وزيراً طلب مني مساعدته ففعلت، وأنا سعيد بالفرصة التي أتاحها لي لخدمة بلادي، وممتن من الدعم الكامل الذي نلته منه لتحقيق ذلك.

    الدكتور الرشيد قيادي بالفطرة وعنده قدرة غير عادية على التأثير فيمن حوله وتسهيل انقيادهم إليه، كما أنه إذا وثق بمسؤوليه يدعمهم دعماً تاماً ويعطيهم إحساساً بأهمية ما يفعلون وبتقديره العميق لإنجازاتهم. وهو ذو طبيعة حميمية توحي لمن يعملون معه بمودته وصدق مشاعره نحوهم، مما يولد لديهم مشاعر مقابلة نحوه تجعله يؤثر فيهم ويعديهم بحماسه.

    وعملت في وزارته في ثلاثة أعمال: مستشاراً للوزير، ثم أميناً للتعليم الأجنبي، ثم أميناً لمؤسسة الملك عبدالعزيز ورجاله لرعاية الموهوبين. وحققت في هذه الأعمال ما أرضى ضميري، وأنجزت ما أصبو إليه من إنشاء نظام التعليم الأجنبي الحالي ومؤسسة الموهوبين، فصارتا مؤسستين مرموقتين قادرتين على العمل بدوني.

    أما الدكتور العبيد فكان رجلاً وقوراً مهذباً، لكني لم أعمل معه مدة تذكر، إذ طلبت منه أن ينقل إلى خادم الحرمين الشريفين رغبتي في الإعفاء من منصبي وحاول مشكوراً ثنيي عن ذلك لكنه أمام إصراري فعل ما طلبت، فصدر قرار إعفائي بناء على رغبتي.

    كيف أقرأ الحقبتين؟ كما ذكرت آنفاً، لم أعمل مع الدكتور العبيد مدة كافية لتقويم إنجازاته، وهذه المقارنة على أي حال مشروع بحث يصلح لرسائل ماجستير ودكتوراه، ولو عدت إلى التدريس في الجامعة فربما أشجع عليها بعض طلبة الدراسات العليا المهتمين.

    > هل مؤسساتنا التربوية أسيرة فكر أشخاص، لأننا نرى تغير الهويات كل حين ودائماً نعود للصفر ..؟

    - كل المنشآت سواء التربوية أو الاقتصادية أو السياسية أو غيرها تتأثر بأفكار وشخصيات من يديرونها، هذه حقيقة لا مفر منها. لكن التأثير قد يكون سطحياً وشكلياً في المؤسسات العتيدة ذات التنظيم القائم المستقر المحفوظ بالقوانين والهياكل الإدارية الفاعلة. أما في المنشآت الوليدة فتأثير شخصيات المديرين عميق وكبير.

    في المنشأتين اللتين أتيح لي شرف إدارتهما (التعليم الأجنبي ومؤسسة الموهوبين) ليس هناك عودة إلى الصفر، بل العمل مستمر، وإن كان بوتيرة مختلفة، وهذا أمر طبيعي وقد يكون فيه فائدة.

    > أنت ممن ساهم في إنشاء موهبة من الصفر ومنحها آليات عمل تكفل لها الاستمرارية... لماذا تنكر لك من أتى بعدك ولم تنل تكريماً يليق بك؟

    - بعد انتهاء عملي في المؤسسة أعددت تقريراً عن أدائها أرسلته إلى خادم الحرمين الشريفين بصفته رئيساً للمؤسسة وإلى أعضاء مجلس أمنائها ومجلسها التنفيذي. كان القصد توثيق ما تم إنجازه، وهو عمل جماعي اشترك فيه فريق ممتاز من أشخاص نذروا أنفسهم لخدمة المؤسسة، منهم الدكتور عمر المسند، الدكتور خالد النويصر، و الأستاذ خالد الصعب، الأستاذ عبدالرحمن الضويحي، الأستاذ سعيد العماري، الدكتور عبدالله الجغيمان، والأستاذ محمد الخميس، وأشخاص آخرون كثيرون من موظفي المؤسسة وداعميها والمتعاونين معها.

    فالإنجاز لم يكن فردياً بل قام به فريق كامل من المحترفين المتشبعين بحب الوطن والإخلاص في العمل. أما لماذا تتنكر لهم المؤسسة فهذا موضوع تسأل عنه المؤسسة نفسها.

    الخصخصة في التعليم

    > الخصخصة في التعليم كنت ممن ناصر فكرتها .. كيف تقرأ تجربتنا الحكومية مع الخصخصة في التعليم؟

    - أرى أنها في العموم إيجابية. هناك بعض الإخفاقات اللافتة مثل قلة الإبداع في الوسائل والمناهج، ومثل ارتفاع الرسوم بغير وجه حق في بعض الحالات، ومثل رداءة المستوى والمباني في حالات أخرى، لكن هذا أمر متوقع. وعلى المدى الطويل ستؤدي المنافسة إلى تحسين المستوى وبروز مؤسسات تعليمية خاصة مميزة ورائدة.

    > ما أفضل معادلة اقتصادية تعليمية تجمع بين الربح المادي والتعليم النوعي؟

    - التعليم النوعي الممتاز ليس مربحاً وهو مجال للمتبرعين المخلصين المحبين لوطنهم الراغبين في الإنفاق من مالهم على دعم العمل التربوي. ومع الأسف يوجد في المملكة نقص كبير في هذا النوع من المدارس، إذ إن الغالبية الساحقة من الإنفاق الخيري تذهب لأغراض لا تشمل التعليم.

    لذا فالمدارس المكلفة فعلاً، مثل مدارس الموهوبين ومدارس ذوي صعوبات التعلم والمدارس المتخصصة في إصلاح السلوك، هي منشآت تعليمية لا تهدف إلى الربح المادي، بل تهدف إلى تقديم تعليم نوعي تدعمه تبرعات وهبات وأوقاف مؤسسات وأشخاص مؤمنين بضرورة وجود هذا النوع من التعليم في المجتمع.

    تقتصر إجابة السؤال إذاً على المدارس التي تربح مالياً وتقدم تعليماً جيداً، وإن لم يكن بالضرورة راقي النوعية. يوجد العشرات من الأمثلة على هذا النوع من التعليم في المملكة. والمعادلة سهلة في التصور صعبة في التنفيذ.

    التصور يقوم على أن يكون مجموع المصاريف، بعد سنوات التأسيس، أقل من مجموع الدخل، هذا يعني أن يكون مجموع ما يصرف على المرافق والمعلمين والكتب والنفقات الإدارية والصيانة أقل من مجموع ما يتم تحصيله من الرسوم والإعانات.

    من ناحية التنفيذ، تحتاج إدارياً (أو إدارية) فاعلة تستحضر هذه المعادلة باستمرار ولا تقوم بعمل أو تصرف نفقة إلا في إطارها، هذا يعني ضبط نفقات المرافق من استئجار وصيانة وضبط الرواتب والبدلات بشكل يجتذب المعلمين والموظفين الأكفاء ويبقيهم، ويحافظ على ولاء الأهالي ورغبتهم في استمرار أبنائهم في المدرسة، كما يعني السعي للحصول على الدعم الحكومي كإعانة وزارة التربية ودعم صندوق توظيف السعوديين. كما يشمل تقديم برامج تعليمية خارج المنهج للطلبة الضعاف وللبالغين بعد الدوام، وهلم جرا.

    > هناك إنفاق كبير على التعليم .. لكن النتاج أقل من المأمول، هل السبب في الرؤية أم في آلية الصرف؟

    -الإجابة تقتضي تقويماً شاملاً احترافياً للتعليم السعودي. وهذا مشروع مهم وافقت الدولة عليه وخصصت له عشرة ملايين ريال قبل عشر سنوات تقريباً لكنه مع الأسف أدير بطريقة سيئة وفشل، ولذا حرمنا من الحصول على صورة موضوعية احترافية للتعليم السعودي تبين أوجه قوته وضعفه وتساعد بذلك على إصلاحه. كنت عضواً في الفريق الذي كلف بالمشروع المذكور وما أزال أحس بمرارة بسبب فشله. في غياب مثل هذا التقويم يبقى معظم حديثنا عن التعليم السعودي انطباعياً.

    لكن توجد مؤشرات مؤكدة بعضها إيجابي، مثل انتشار المدارس وامتداد خدمتها للغالبية الكبرى من المواطنين. كما توجد مؤشرات سلبية، منها ضعف أداء الطلبة السعوديين في المسابقات الدولية للعلوم والرياضيات، ومنها ارتفاع نسبة التسرب وقلة الانضباط وتهاون المعلمين والإداريين بالواجب، وعدم وجود آليات فعالة لمعاقبة المقصرين وعدم إغلاق المدارس الفاشلة، وغير ذلك.

    > قرارنا التربوي، لماذا يخرج خديجاً دائماً؟

    - لا أظن هذا صحيحاً، فالوزارة تتخذ آلاف القرارات بعضها كبرى كاللوائح وأكثرها صغرى تتم مركزياً وفي المناطق. وهذه القرارات يتم الوصول إليها عادة عبر القنوات المتاحة المعمول بها بحسب النظام . وتوجد آليات وقنوات للمراجعة والاعتراض. والنظام على أي حال لا يمكن أن يكون أفضل من القائمين على تنفيذه ، ولذا فبعض القرارات الجيدة قد تفقد جزءاً من جودتها في التطبيق.

    > لماذا المنطقة الضبابية في ميدان التربية هي السائدة؟

    - التربية ليست علماً دقيقاً كالرياضيات أو العلوم الطبيعية، بل هي مجموع آمال وأهداف وتصورات وممارسات وقيم واجتهادات وقناعات وافتراضات وتقاليد وغير ذلك. ويجمعها كلها هيكل من الناس تنظمهم علاقات إدارية محددة (وزير، وكيل، مدير مدرسة، معلم، طالب، أب، أم، مواطن ..إلخ) لا يمكن أن يتفق جميع هؤلاء على رؤية واحدة بل لكل منهم اجتهاده وزاويته التي ينظر منها ويتصرف بموجبها.

    ومن هنا يوجد أحياناً اختلاف بين ما يأمله الأب والأم، وبين ما يحصل عليه أبناؤهم. ويوجد اختلاف بين ما تهدف إليه الوزارة، وبين ما يتم تحقيقه في الصف. هذا الاختلاف ممكن تضييق نطاقه إلى حد كبير عن طريق تحديد الأهداف بشكل دقيق، وتقويم العاملين (من مسؤولين وإداريين ومعلمين) والطلبة بموجبها. وبذلك يقل ما أسميتموه بالضبابية.

    الإصلاح التربوي

    > حركات الإصلاح التربوي اليوم تنادي بإنقاذ التعليم من قبضة التربويين .. هل تؤيد مطالبهم بذلك؟

    - قبل أربعة عقود أصدر المفكر النمساوي إيفان إليتش كتاباً بعنوان (إلغاء المدارس) ذاع صيته في الإعلام وكليات التربية. لكن معظم المفكرين اليوم وفي ما سبق لا يدعون إلى إلغاء المدارس بل يدعون إلى زيادة حضور الفعاليات الاجتماعية والاقتصادية فيها. هذا يعني إشراك المجتمع في إدارة المدارس عن طريق مجالس الإدارة ومجالس الآباء والأمهات، وعن طريق دعوة المحترفين في المجتمع إلى التطوع بالتدريس في المدارس وتدريب الطلبة ميدانياً، وعن طريق إعادة النظر بشكل دوري في أهداف المدرسة للتأكد من أنها تخدم المجتمع وتسهم في بنائه وإعداد أبنائه.

    أنا أؤيد ذلك بقوة على أن يتم بشكل ذكي مدروس وإيجابي وألا يؤدي إلى الفوضى والاضطراب لأن المدرسة تبقى وسيلة مؤثرة ومهمة للضبط الاجتماعي، كما أنها أهم وسائل المجتمع في التأثير الجماعي على ناشئته.

    > هل الأيدولوجية الدينية التي تعيشها بلادنا سبب في ضعف تعليمنا؟

    - لا. إن بعض أفضل مدارس وجامعات العالم أنشأتها وتديرها مؤسسات دينية.

    > كيف استقبلت مشروع الملك عبدالله لتطوير التعليم؟

    - بحماسة وتفاؤل.

    > أليس من الخطر أن تشرف الوزارة على مشروع التطوير وكأن مكانك سر؟

    - الأمر يعتمد على الغاية من المشروع، فإن كانت تمكين الوزارة من تقويم عملها وتحسين أدائها فمن الطبيعي أن تشرف على المشروع. لكن إن كان الهدف من المشروع هو وضع آلية للإشراف على الوزارة نفسها أو تقويم أدائها بواسطة جهة خارجها، فعندئذ يكون الإشراف على المشروع لجهة يناط بها هذا المشروع خارج الوزارة.

    > لماذا ليس عندنا مؤتمر تربوي عالمي ننتظره بفارغ الصبر؟

    لأسباب عدة. أحدها أن المملكة لا تنتج فكراً تربوياً ذا أهمية عالمية. عندنا مثلاً عشرات من كليات التربية والمعلمين لكنه لم ينتج عن أي منها نظرية ذات بال أو فكر تربوي مميز أو يشار إليه بالبنان عالمياً أو حتى إقليمياً. السبب الثاني ضوابط الاستقدام التي تجعل من الصعب (وليس المستحيل) استقدام كل المرغوبين.

    والراغبون في المشاركة في المؤتمرات ذات الطبيعة العالمية. السبب الثالث قيود الاختلاط والطعام والشراب المعمول بها في المملكة والتي تخلق بيئة غير مواتية للحشود المتنوعة المآكل والمشارب والأهواء ممن يحضرون المؤتمرات الدولية .. ومع ذلك كله تنعقد في المملكة أحياناً مؤتمرات تربوية، منها المؤتمر الذي ينظمه دكتور عبدالله الجغيمان وزملاؤه في مركز دراسات الموهبة في الأحساء، والذي سيعقد في مدينة الجبيل الصناعية تحت رعاية خادم الحرمين الشريفين بتاريخ 26-30 / 11 / 2011.

    > عدم وجود جمعيات مهنية للتعليم، ألا يسهم في كتم أصوات الوسط التربوي؟

    - توجد قلة من الجمعيات التربوية المهنية في المملكة أهمها جستن (الجمعية السعودية للعلوم التربوية والنفسية)، ومنها الجمعيات المعنية بفئات تعليمية محددة كجمعية متلازمة داون، ولكني أتفق معك: توجد حاجة إلى مزيد من هذه الجمعيات لعل زيادتها تحرك المياه في وسطنا التربوي الفاتر.

    التربية والسياسة

    > عندما نرى نجاحات سنغافورة في التعليم.. هل ترى أن الحل صعب جداً؟

    - القرار سياسي بالدرجة الأولى. في الستينات قرر لي كوان يو وزملاؤه من قادة استقلال سنغافورة أن نهضتها ستقوم على قواعد إحداها نظام تعليمي متقدم يعوض الجزيرة عن نقص مواردها الطبيعية بتطوير مواردها البشرية. وقد نجحوا بتحقيق هذا الهدف بإصرارهم عليه سنة بعد سنة، عقداً بعد عقد، رغم تغير الأفراد.

    المملكة أيضاً اتخذت قرارات سياسية كبرى تتعلق بالتعليم، منها قرارات الملك سعود بفتح المدارس، ومنها قرار الملك فيصل بفتح مدارس البنات، ومنها قرارات الملك فهد بشأن توسيع قاعدة التعليم وتطوير الجامعات، ومنها قرارات الملك عبدالله بشأن زيادة عدد الجامعات الحكومية والأهلية وابتعاث عشرات الآلاف للدراسة الجامعية.

    توجد حاجة ماسة إلى مبادرات أخرى بنفس الحجم لنفض الغبار عن التعليم العام في المملكة. هل ستكون صعبة؟ طبعاً ستكون صعبة، مالياً وتنظيمياً وتعبوياً، لكن من يريد النهضة لا يدع هذه الصعوبات تفت في عضده.

    > يرى البعض أن العلة في تعليمنا اختلاط الأولويات واستعجال النتائج وضعف إدارة الموارد، وغياب العمل المؤسسي، واختطاف مسؤولية إصلاح التعليم.. ما رأيك؟

    - رأيي أن تعليمنا حقق إنجازات مهمة في الانتشار في أنحاء البلاد واشتمال الغالية الساحقة من المواطنين، وفي بناء هيكل جيد من البنى الإدارية والمالية والإشرافية والمرفقية التي تجعل فتح المدارس وإدارتها أمراً ميسوراً في بلد مترامي الأطراف كالمملكة.

    التحدي الحالي هو رفع النوعية وتحسين الأداء وتمكين النظام التعليمي من المنافسة عالميا وفتح خدمات تعليمية خاصة للمعاقين والموهوبين وذوي الصعوبات السلوكية، ومحاربة التسرب ورفع الكفاءة الداخلية للنظام، وجعل رياض الأطفال جزءاً لا يتجزأ من منظومة التعليم، وزيادة دور المجتمعات المحلية في إدارة مدارسها والإشراف عليها. وتسهيل إجراءات التعيين وإنهاء الخدمة حسب الحاجة و كفاءة الأداء، وزيادة دور الجمعيات الحرفية ومساءلة كليات المعلمين والتربية.

    > سبب ضعف تعليمنا هو أننا نعالج نظاماً متهالكاً بإصلاحات جزئية مترددة تفتقد إلى نظرية تلم شتاتها.. ما رأيك؟

    - هذه وجهة نظرك وأنا أحترمها، لكني أرى أن النظام فيه مزايا كثيرة لكنه يواجه تحديات معقدة ومتزايدة، وهذا أمر طبيعي فكل شيء ينمو حتى المؤسسات التربوية. وقد اتخذت الوزارة مبادرات مهمة في أمور كثيرة منها تطوير التعليم الثانوي، ودمج بعض المناهج والتقويم المستمر، وتطوير مناهج العلوم والرياضيات. نحتاج إلى مبادرات أخرى ينتظمها جميعاً تصور موحد وذكي وطويل المدى للإصلاح التربوي الشامل.

    > لماذا لم نلحظ تطوراً واضحاً على نظم التعليم العام في الدول الخليجية رغم توافر الإمكانات المادية ولاحقاً البشرية؟

    - هناك مبادرات جزئية للإصلاح التربوي في عمان والإمارات، لكن أهمها جميعاً وأكثرها جذرية هو ما يحصل في قطر، إذ نفضت الدولة النظام التعليمي رأساً على عقب في تجربة لافتة جداً وتحتاج إلى تأمل ودراسة لاستخلاص الفوائد والدروس.

    الحكومة في كل دول الخليج هي أكبر صاحب عمل، بل يعمل لديها معظم المواطنين وأكثر هؤلاء يعملون في التعليم. عندنا في المملكة مثلاً يوظف قطاع التعليم نحو ست مئة ألف مواطن يمثلون أكبر قطاع في الخدمة المدنية. أي تغيير في أوضاع هذا الحشد الهائل من الموظفين أمر ذو حساسية كبرى ولا يقدم عليه مسؤول إلا بتمعن وذكاء وحذر.

    الأمر الآخر المشترك بين دول الخليج أن المجتمع يتوقع من الدولة توظيف أبنائه في الأعمال الموجودة. ولذا، وجدت برامج السعودة وما يقابلها من برامج التوطين في دول الخليج الأخرى، وهي برامج أدت إلى توظيف معلمين ليس بعضهم جيد التأهيل، لكنهم يعتبرون العمل الحكومي حقاً مكتسباً لا يخسرونه إلا إذا أقدموا على جريمة. لهذا تكدس في النظام التعليمي أشخاص ينبغي ألا يكونوا فيه. وهذا تحد تواجهه كل دول الخليج، بل كثير من دول العالم الثالث.

    التحديات والمتغيرات

    > التحديات الجديدة التي تواجهها المجتمعات، هل يستطيع التعليم منح الآليات المناسبة للتعامل معها؟

    - النظام التعليمي جزء أساسي من منظومة اجتماعية تشمل الأسرة والمؤسسات الدينية والأمنية والاقتصادية والإعلامية وغيرها. لا يستطيع التعليم حل مشكلات المجتمع منفرداً، لكن المجتمع لا يستطيع حل مشكلاته دون التعليم. يعني ذلك أن الإصلاح الحقيقي لنظام التعليم يترتب عليه أخذ نظرة شمولية لكل المجتمع. إذا أردنا مثلاً اشتمال رياض الأطفال في النظام التعليمي فعلينا التأكد من وجود إمكانيات مالية لتوظيف الأعداد المطلوبة من المعلمات واستئجار المباني، الخ. إذا أردنا ربط النظام التعليمي بالعمل فلابد من مشاركة أصحاب الأعمال والمصانع والشركات في تحديد محتوى المناهج وفي تدريب الناشئة ميدانياً. وهلم جراً.

    > كيف نجعل التعليم قادراً على مواجهة المشكلات العالمية، ويعنى بالتربية والتنمية المتوازنة السعودية التي تأخذ بأحدث ما يكتشفه العالم؟

    - بطرق عدة، أهمها إدارة تطوير المناهج التي تعنى بمراجعة المناهج للتأكد من مواكبتها للتطورات الحاصلة في العلوم والتقنيات. ومن الضروري طبعا وجود أفراد من المؤسسات الرائدة في التقنية والعلوم، أن يوجدوا في لجان المناهج لتحقيق ذلك.

    > هل بطء استجابة التعليم للتغيرات السريعة في المجتمعات يحول خطط التعليم إلى خطط للترقيع والإنعاش نظراً للسرعة الهائلة للتقدم العلمي والتقني؟

    - مؤسسات التعليم العام تقدم تعليماً أساسياً في العلوم والتقنية في المراحل المبكرة يزداد عمقاً بتقدم الطلبة في العمر والمراحل الدراسية، وليس من المتوقع أن تنافس المدارس الشركات الكبرى التي تنتج المعرفة المتجددة في العلوم والتقنية، لكن المطلوب منها هو مراجعة مناهجها وطرقها التدريسية بصورة دورية لضمان أن طلبتها يتأهلون لمراحل لاحقة أرقى علمياً.

    تأنيث المرحلة الابتدائية

    > تأنيث المرحلة الابتدائية بالكامل طلبة وطالبات ومعلمات، هل من دراسات تثبت جدواه من عدمها؟

    - في معظم مجتمعات العالم، خصوصاً غير الإسلامي، الاختلاط سلوك طبيعي في المدرسة وخارجها. في كثير من الدول الإسلامية وفي بعض الأماكن حتى في دول غير إسلامية يوجد فصل بين الجنسين في المرحلة الثانوية. الوضع يعتمد على قيم المجتمع وقناعاته وظروفه الوظيفية.

    كانت رئاسة تعليم البنات في مرحلة ما تطالب بتأنيث الصفوف الابتدائية الأربعة الأولى، ولكن تغير موقفها فيما بعد. رأيي الشخصي أن تأنيث الطاقم التعليمي في الصفوف الثلاثة الأولى مهم ومفيد ومجد اقتصادياً وتعليمياً. هو مهم ومفيد لأنه يساعد في نقل الطفل الذكر تدريجياً من بيئة البيت إذ تسود أمه، إلى بيئة مدرسة الأولاد إذ يسود معلمون ذكور. ومجد اقتصادي لأن تأنيث صفوف الابتدائي الأولية حري بتقليل حالات الرسوب ولأنه يساعد في توظيف مزيد من المعلمات في مجتمع يعاني من البطالة خصوصاً بين النساء.

    هذا الترتيب لا يصلح لكل الناس، ولذا ينبغي أن يتاح للأهالي الذين لا يؤمنون به أن يسجلوا أولادهم في مدارس البنين. بمعنى آخر، ينبغي أن يوجد تنوع في المؤسسات التعليمية يخدم فئات من الناس تتفاوت رؤيتها وحاجاتها، فلا يكون نظامنا التعليمي ثوباً واحداً مفصلا للجميع.

    > يقال إن وراء ضعف التعليم معلمين غير منتجين.. هل تعتقد أن طريقة ومعايير المعلمين عندنا غير صالحة للفوز بمعلمين مبدعين؟

    - المعايير المعمول بها مبنية على توقع الشروط الدنيا اللازمة لتوظيف المعلمين، ولذا قد يتم بها توظيف أفضل المعلمين وأسوأهم على حد سواء. المعلمون غير المنتجين جزء من مشكلة ضعف التعليم، لكن هناك أسباباً أخرى للضعف. كما أن إنتاجية المعلمين نفسها مسألة مرنة قابلة للتصرف والإصلاح.

    > استقلالية المدارس هل تجد فيها متنفساً لحلول أكثر إنجازاً؟

    تحتاج إلى ضبط المنشآت التعليمية عن طريق نظام فعال للاعتماد من أجل ضمان سلامتها، وحتى تعطيها درجة جيدة من الاستقلال، فلابد أن يكون إداريوها ومعلموها على مستوى المسؤولية والتحدي، ولابد أن يكون لها مجلس إدارة يمثل فيه الأهالي وفعاليات المجتمع الاقتصادية والاجتماعية، وأن تعمل المنشأة وفقاً لمعايير أداء يتم تطبيقها وفقاً لنظام الاعتماد المشار إليه.

     

     

     

    المدارس العالمية رافد للتعليم... ولا خوف منها

     

     

     

    سيرة ذاتية...

أرسل إلى صديق تعليق
تصغير الخط تكبير الخط

اضف تعليق

بريدك الإلكتروني لن يظهر علناً احتراماً للخصوصية