أرسل إلى صديق تعليق
تصغير الخط تكبير الخط
  • الديانة حسمت... الوطنية لم تحسم
    الخميس, 13 أكتوبر 2011
    ثريا الشهري

    الإنسان المتحضّر والواثق هو القادر على تنمية عشرات الانتماءات وتنويعها مع خلق التوازن فيما بينها وفق قدراته وظروفه ومرحلته التاريخية، أما الإنسان المكتفي بانتماءٍ أحادي فغالباً ما يقوده تركيزه الضيق إلى التعصّب والتطرّف، وربما الاتجاه إلى العنف حفاظاً على انتمائه المنفرد، فمتى تبدأ سلسلة الانتماءات؟ بالولادة، وبدايتها مع الأسرة فالمدرسة والشارع فالعمل، فمن الانتماء الأسري والدراسي إلى الانتماء الجغرافي والإقليمي للحي والقرية والمدينة، فمن الطبيعي أن تتوسع انتماءات الإنسان كلما تشعبت حياته وتفرعت، إلى أن يصل بوعيه إلى المفهوم الأكبر للانتماء والمرتبط بالوطن، فالوطن هو المظلة الكبرى لكل الانتماءات الأخرى التي يظللها، فكيف يصل المرء ودوره يقاس بمدى الإسهام في الحضارة الإنسانية على مستوياتها، كيف يصل به الحال إلى تحجيم هذا الدور إلى أن يقتصر على فئة مجتمعية بعينها، وبصرف النظر عمّن تكون؟ فمن يختار أسرته، ومن يفضّل العشيرة والقبيلة، ومن يعتبر نفسه ابن المؤسسة بأفكارها ومبادئها ولا يعترف سوى بحدودها، فتنقلب الآية، وعوضاً عن التدرّج من الانتماء الأصغر إلى الأكبر، نتخلى عن عريشة الوطن الأم، ونتمسك بالانتماءات الصغيرة ونستميت من أجلها، فينشأ التصارع والتطاحن مع الانتماءات الأخرى في المجتمع والصغيرة بدورها، وربما إلى الاستعانة بانتماءات خارجية لتقوية مراكز الانتماءات الداخلية التي تشعر بضعفها، وهي جميعها انتماءات غير مؤهلة لتوسيع المدارك ولا للعيش في سلام.

    بالانقلاب العسكري المصري عام 1952، قام بمن عرفوا بـ«مجلس قيادة الثورة» باختيار أقرانهم وزملائهم لتولي المناصب الرئيسية في الدولة، مطلقين على «دفعتهم» وصف «أهل الثقة» بدعوى أن تأمين إخلاصهم للثورة يتقدم على إتقانهم ومعرفتهم بالقواعد الإدارية والفنية بالمؤسسات والهيئات، انتصاراً لشعار «أهل الثقة أولى من أهل الخبرة»، فماذا حصل؟ انعدمت الثقة والخبرة معاً، وقد تكون محال عمر أفندي دليلاً على نتيجة الانحدار من الانتماء للوطن إلى الانتماء للشِلّة ومنها للمصلحة الذاتية، فحين يتولى إدارة محال تجارية عملاقة ومؤسسات اقتصادية على شاكلة شيكوريل وصيدناوي وشملا ضباط تدربوا فحسب على إدارة جنودهم واستعمال بنادقهم، فمن المتوقع أن تصل نسبة الإفلاس في معايير الذوق والجمال وبيانات المبيعات إلى أرقام تنتهي معها الصناعات الوطنية، ذلك أن مصلحة الوطن لم تكن مقدمة على أي مصلحة أخرى، بل كانت المصالح والاعتبارات الأخرى هي المقدمة، بعد تغليفها طبعاً بطبقات من مزايدات تتكلم باسم الوطن، حسناً يا أيها الوطني، إليك وطنك، ماذا حلَّ به على يديك الوطنيتين!! ثم، والسؤال: إن كان أصحاب المحال الذين طردتهم مصريين يدينون بالديانة اليهودية، أي كانوا من أهل الكتاب، فكيف تجرأت على وطنيتهم لمجرد اختلافك مع ديانتهم؟ ولأنك فعلتها، فقد غرست بذرتها، ومن يهودي إلى قبطي إلى مسلم، إلى كل تشنّج ديني!

    المفروض أن تكون الدول متعددة الانتماءات والحضارات أكثر مرونة وتحملاً للأزمات والأعاصير من تلك التي يخصها تاريخها ويتيح لها موقعها بعدد هزيل من الانتماءات، ومصر بهذا المنظور دولة غنية، ولكن هل هي كذلك على المستوى الشعبي والتحضّر الإنساني؟ فكل يوم يتكشّف لنا وجه آخر وصادم عن الشخصية المصرية، وإن كانت من كلمتين مشتركتين بين الأقنعة التي سقطت فهما «الكره والغضب»، فكل يكره كله، وكل غاضب من كله، فهل رأيت كرهاً يبني؟ وللموضوعية، النموذج العراقي بالذات وعلى رغم موقعه وموارده وحضاراته المتعاقبة قد سبق الحالة المصرية في تمزيق الوطن باسم الوطنية والوطنيين، فكيف يخترقك جارك أو الغريب إن وجدك حصناً منيعاً لدارك؟ الإشكالية في الاتفاق على تعريف هذا الحصن! وإن كنت أرى أن أرقى أنواع الانتماءات هي التي تتكون على أسس فكرية، لتتلاقى وتتلاقح بخلافها واختلافها على حقيقة أن الانتماء الوطني هو الرابط المشترك الأعلى لجميع الانتماءات، يقول تعالى: «لكم دينكم ولي دين»، فمسألة الاختلاف الديني محسومة من الله، ولم يبق سوى حسم أمر تضاربنا حول مفهوم الوطنية، فلِمَ نأتي على مسألة حسَمها الخالقُ فنعبث بها، وعلى مسألة لم يحسمها الإنسان فنتركها معلقة؟

    [email protected]

أرسل إلى صديق تعليق
تصغير الخط تكبير الخط

تعليقات

الديانة حسمت... الوطنية لم تحسم

النوايا طيبه والطبيب غير المتخصص 6
اسالى وعيشى لن تلحظى بالرغم مما حدث فرق بين مسلم ومسيحى لكنها بقايا النظام وبقايا خطاياه التى ارادت كاى نظام ديكتاتورى ان يثبت حكمه بترسيخ مبدأ التفرقه والتخويف لكل فريق من نوايا الاخر ،كذبه زرعها النظام وعمل على تاججها لتثبيت حكمه والهاء الشعب وانهاكه مع مؤمرات من الخارج معلومه تتمنى ان تلحق مصر بالعراق والسودان بالتقسيم او بالفوضى مدركين ان سقوط مصر هو بداية سقوط كل العرب و الوطنيه وتلك هى الاجنده الحقيقيه للمتأمرين ينفذها عملاؤهم والفلول باستماته. اننا ترتفع فى سماؤنا المأذن وقباب الكنائس بحب وتألف حيث نتشارك من اول الدهر سكنى الوطن ولقمة العيش واحاسيس الامان و الوطنيه والانتماء وعبادة الله بالرغم من التعصب الاعمى احيانا قليله والذى صدر لناافكاره ورجاله البعض من الخارج فى العقود الاخيرة.
اسف للاطاله تلك ملاحظات سريعه مع تحياتى
عربى مصرى

الديانة حسمت... الوطنية لم تحسم

النوايا طيبه والطبيب غير المتخصص 5
مصر كبلد بعد توحدها ارضا وشعبا بحثت عن التوحيد قبل بداية زمن التوحيد ...حيث من يومها والى فترة قصيرة ماضيه حسمت قضية الوطنية والدين ..بفلسفة عميقه هى التوحيد ..وولن اذكر دماء المصريين مسلمين ومسيحيين على ارض مصر ويكفى ان تتكلم ارض قناة السويس لتحكى كم شربت من دماء مشتركه من حفرها والى رد الاعتداءات المتتاليه على جوانبها عبر عمرها الطويل ..نحن شعب لم نعرف الطائفيه ولا الحقد والكرة الذى ذكرته كاتبة المقال وان كنت اعذرها لما انطبع بداخلها من مشاهد الاحداث الاخيره ..لكن الكتابه عن دراسة تختلف عن ذكر مشاعر واحاسيس وانطباعات ..للكتابه عن ذلك تعالى الى مصر ليس كسائحه او زائره او مقيمه من اهل الفنادق الفخمه لكن تعالى لتعيشى بحوارى مصر وشوارعها مصر وليس القاهرة فقط ايضا وتحدثى مع كبار السن من دون سن الشباب الذى سرقه النظام السابق من اصحابه
يتبع ( الاخير )

الديانة حسمت... الوطنية لم تحسم

النوايا طيبه والطبيب غير المتخصص 4
اما خروجهم بعد ثورة يوليو وقبلها يمكن الرجوع لمراجع محايده عديده تؤرخ تاريخ الوكاله اليهوديه والصهيونيه العالميه وما قامت به من ترغيب وترهيب لليهود بمصر للهجرة بدعوى ارض الميعاد ولم يجبر اى منهم من قبل الحكومه او الشعب لترك وطنه الام مصر حتى ان اسرائيل عندما زعمت بذلك لم تستطع ان تثبت ذلك ولم يدعيه اليهود المصريين نفسهم ومازال منهم من تمسك بمصريته ويعيش بمصر وسط النكسه او انتصار اكتوبر او سلام ديفيد يبيعون ويشترون ويتزاورون ويتعبدون وهم اقدر للرد على عكس ذلك .
خامسا ...البلاد ذات الحضارات المتعدده والمرونه والتمازج ولعل ايضا الاحداث والتاريخ تثبت ان مصر من الدول الفليله التى بدات بقبائل واعراق وديانات كلها انصهرت ليخرج منها مصر الشعب والوطن واصبحت من الدول القلائل التى سقطت منها بنسبه تزيد عن 95 فى المائه العصبيه القبليه والعائليه والدينيه
يتبع

الديانة حسمت... الوطنية لم تحسم

النوايا طيبه والطبيب غير المتخصص 3
ولعل اكبر شاهد على ذلك عمر افندى نفسه الذى ذكرته المقاله فهو صرح اقتصادى ساهم سنوات طوال فى دعم زوى الدخل المحدود وهو نتاج ثورة يوليو فى زمن اهل الثقه الخبراء حيث ظهرت المجمعات الصناعيه والزراعيه ومئات المشروعات مثله واكبر فى اكبر نهضه بتاريخ مصر اخافت الغرب من تقدمها المتلاحق فحاك لها المؤمرات لتتوقف وان كان ذلك ليس حديثنا بالرغم من انه جزء من تاريخنا اثر بنا جميعا سلبا وايجابا ..ولعل خطايا النظام السابق من خصخصة جاءت كلها من مستشاريه اهل الخبرة عديمى الثقه وان كنت لا اوايد هذا على ذاك بعموميه .
رابعا .. اصحاب المحلات اليهود المصريين اللذين طردتهم مصر وهذا ليس كلامى لكن حديث كاتبة المقاله ..ولا اعلم من اين استقت هذه المعلومه ...من خرجوا من مصر من يهود مصريين بدأوا الخروج من نهاية الحرب العالمية الثانيه عندما اشيح عن انتصار هتلر بالحرب .
يتبع

الديانة حسمت... الوطنية لم تحسم

النوايا طيبه والطبيب غير المتخصص
بدااشكر كل من تعرض للشان المصرى فهذا فى حد ذاته ادراك للمساحة المشتركه للوطنيه عبر ارجاء وطننا العربى الكبير ومعناها نفسه حسما للوطنيه.
ان ما يعترى الكثير من قلق من الحراك الكبير بمصر لما لها من ثقل و قيمة ودور رائد فى بناء وطننا الاكبر عبر التاريخ وما يعنيه استقرارها لاستقرار كل الوطن الاكبر امر مدروك.
ومع ايمانى بالنوايا الطيبه الا اننى لى ملاحظات هامه كمصرى اعيش وسط الاحداث من بدايات الثورتين يوليو ويناير جعلتنى اقول ان النوايا طيبه لكن الطبيب غير متخصص.
اولا الوطنيه فى مصر بدات مع بداية التاريخ بالاف السنين ..بدات مع ظهور اول وطن ذو حدود وحكومه وشعب وولاء واذدهار بل و التوحيد قبل ظهورالاديان من غشرة الاف عام والدراسات المتعمقه المتخصصه اشادت بحضارة مصر الاولى واكدت انها نتاج حس وطنى للشعب قبل قياداته ومكتبات العالم تطفح بكل تلك الكتب .
يتبع

اضف تعليق

بريدك الإلكتروني لن يظهر علناً احتراماً للخصوصية