أرسل إلى صديق تعليق
تصغير الخط تكبير الخط
  • القارئ السعودي
    الثلاثاء, 18 أكتوبر 2011
    ثريا الشهري

    ذكرت في المقالة السابقة بعض آراء «ابن العربي» في المرأة، ولك الاقتناع بها أو إهمالها، أو ما شئت معها، ولكن لا تنقص حق الرجل في اجتهاده، فالثقافة تلزمك أن توسع مداركك، وتقرأ للجميع وإن خالفوك الرأي، ثم ومن خلال اطلاعك ستجد أنك تمحّص وتغرّبل وتخرج بقناعات وآراء، لأن تجارب الأيام ستعلمك أنه حيث يكون قولان أو أقوال عدة، فيعني أن هناك أكثر من احتمال، فلا مانع من الموازنة والمواءمة بين قديمك وجديدك إن سمح الأمر، ولا مانع من الاحتفاظ بالقديم بشيء من التفكير في الجديد قبل رفض الأمر، ولكن أن تطفئ النور تماماً جازماً بأن عتمتك هي الخيار الأنسب، فأنت بذلك دخلت في ظلام التحجّر راضياً به ومغتبطاً، وليس لي عندها غير السؤال: هل السعودي حريص على ثقافته؟ وهل نحن كسعوديين شعب مثقف؟

    ربما نكون حكينا عن ستيف جوبز أكثر من البلد الذي أنجبه، فهل نظن أن الاختراع والمخترعات تظهر كالنباتات البرية في الأمم خالية الوفاض من نهضات فكرية تسبقها؟ (كالعادة لا أقيس على الاستثناء)، فالشعوب التي تتباهى بقوتها المادية لم تجد نفسها هكذا، وإنما قامت على دعائم الفكر والمفكرين المؤسسين لـ«القوة المفكرة»، فإن أساء المفسدون استعمالها، فلا يعني أن بذرة روح الاختراع والابتكار لم تبدأ من تفكير حر ومنفتح على غيره.

    قضية الفرد في ضعفه وقوته تصدق على قضية الشعب أيضاً، فمن يشعر في نفسه بالخواء، تجده يغالي في علامات الملبس وطريقة الكلام والدفاع المتشنج عن «شوية» معلومات لا يملك سواها، بينما تظل أقوى الأمم هي الأقل كلاماً والأكثر أفعالاً، وكذلك هم الأفراد، فإن وجدتنا نثرثر في كل شيء، فلأننا لا نزال في مرحلة التعريف بشخصيتنا وطابعنا، ولزيادة في التقوقع نحتمي بالماضي، ونصر على مخزوننا بلا تغيير، فلا ننقل عن أحد ولا نتأثر بغيرنا، فيكون الناتج كمثل زواج الأقارب، طفل يعاني من إعاقة أو يحمل جين الإعاقة.

    شكسبير علم من أعلام الأدب الإنكليزي مع أن أغلب شخصياته ومواضيعه لا تحكي عن بلاد الانكليز ولا عن أهل الإنكليز، فشخصيتا روميو وجوليت إيطاليتان، وشخصية تاجر البندقية يهودية، وعطيل مغربية، وهاملت دنماركية، ومع هذا صنّف أدب شكسبير ووصلنا على أنه أدب إنكليزي لأن العبرة ليست بالشخصية المصورة، وإنما بفن الأديب وطرحه وفكره، وهكذا هي الشخصية حين تقوى بثقافتها، فتتحرك بين الثقافات الأخرى بحرية لثقة في نفسها من وجودها الذاتي الذي لا يحتاج إلى افتعال الضجيج أو استعمال أدوات التأكيد، أما من يزايد ويلجأ بسذاجة الصبيان إلى طفولة التفكير، فيشكك في ما يقرأ ولمن يقرأ، فيغرّب الكاتب ويفرنجه ويخرجه عن الملة بمزاج ضيق وأفق أضيق، فهذه حيل لا يعتد بها ولا بأصحابها في دنيا المعرفة والثقافة، فدعني أعود وأسأل: هل نحن شعب مثقف يحسن التقويم والتقويم؟

    الكاتب الأميركي أو الروسي يحمل فكره ويذهب به حيث يشاء، فيكتب على سجيته فإذا ما يكتبه يحمل طابع جنسيته ومنشأه وشخصيته، وهكذا ينبغي أن تكون حال كاتبنا في ما يكتب مطمئناً إلى استقلال شخصيته كصاحب فكر، وإلى وعي قارئه الذي طرح عنه مركبات النقص ومخاوف الفارغين، فإنتاج الكاتب غير مرتبط بتوقيت زمني معين، لأن حياة كتاباته أوسع وأعمق من حياته الشخصية، فهو يحيا في كل الإنسانية، فيؤثر ويتأثر بكل ما يقرأ في هذا التراث الإنساني الهائل، ثم ينقل تحليله ويدعمه ببراهين قراءاته إلى القارئ، فإذا كان هذا القارئ من فئة العقل العادي الذي تقف نظرته عند حدود ظروفه وخبراته، فلن يرى ولن يحاول الربط بين ما يقرأ وحياة البشرية، وبالتالي لن يتمكن من استخلاص الخاص من العام، والعام من الخاص، فإذا وجد الكاتب الذي يستطيع، فامنحه أيها القارئ فرصة أن ينقل إليك ما لديه، فأنت المستفيد بالنور، أما الكاتب فضوء مصباحه بداخله، إن كشف عنه، أو احتفظ به، ولأن الأولى أن يشع المكان بنوره، فلا تأتي وتطفئه.

    [email protected]

أرسل إلى صديق تعليق
تصغير الخط تكبير الخط

تعليقات

القارئ السعودي

شكرا استاذتي الفاضله على ماقدمتي وتقدمي من إبداع
فعلا نحن شعب لايقرأ و إذا قرأنا لانفهم
هذا مايقال عننا في البلدان الاخرى وهذه الفكرة المتداولة عننا وذلك بسبب غياب الثقافة والفكر المتفتح الواسع.. لا أقصد بالمتفتح الفكر الذي يفهمه الاغلبيه، فقط للتنبيه
كم اتمنى ان ندرس الفن والادب منذ الصغر
ليس بالمعنى ان ندرس الفن والادب الغربي ف أدبنا العربي والتراثي لايقل عنه إبداع فأين اندثر وأين همتنا فيه؟
و إن كان لابد من دراسة الأدب الغربي في تاريخه وابرز المؤسسين له كما يدرس في مدارسهم من صغرهم..

اضف تعليق

بريدك الإلكتروني لن يظهر علناً احتراماً للخصوصية