أرسل إلى صديق تعليق
تصغير الخط تكبير الخط
  • شرف الرجولة
    الأحد, 23 أكتوبر 2011
    ثريا الشهري

    إن عُرض عليك شريط سينمائي، أو مسرحية تمثيلية، أو صورة فوتوغرافية، ثم سئلت عن رأيك فيما رأيت فستجيب ببساطة أنه أعجبك أو لم يعجبك، فإن سئلت أن تبدي الأسباب وراء حكمك، فالمسألة تتعقد قليلاً، فالإحساس التلقائي وردة الفعل الأولى تنتهي منهما عند إبداء رأيك المبدئي، أما التكلّف بتوضيح أسباب الإعجاب من عدمه فمعناه التصدّي لأسباب الإحساس، هذا التصدّي يصبح مركباً لأنه يختلف باختلاف النزعات والتكوين والثقافة، وبهذا المعنى، لو سئلت كاتبة السطور بحكم مهمتها التي يفترض فيها التعقّل بالنقد والتحليل، لو سئلت عن رأيها في الشريط المصور لمشاهد إلقاء القبض على القذافي وموته لكان جوابها: لا لم يعجبني! فلم ذاك؟ وهنا يأتي الدور المركب الذي رميت إليه، وهو ليس حكماً بقدر ما هي محاولة للتفنيد الموضوعي بمقدار بُعد المحلّّل نفسه عن زاوية الحدث.

    القذافي بكل جرائمه التي تحدى فيها القوانين الإلهية والإنسانية يستحق القصاص منه، هذه حقيقة لا جدال حولها، إنما الميزان هنا حول الطريقة التي يستند إليها تحقيق الجزاء والعقاب، فأنت حين تثور ضد الظلم والطغيان، ثم، ومن حيث لا تدري أو حتى تدري يتسرب إليك شيئاً من فساد هذا الطغيان، فكأنك ثرت على أمر لتقتلعه فلمّا فعلت أتيت بمثله، فما الذي يميّزك حينها عما ثرت عليه! وكان الأولى بالثوار الليبيين أمام الرأي العام العالمي وأمام أنفسهم أولاً أن يرتفعوا عن الأخذ بثأرهم من الرجل في لحظتها بالأسلوب المهين الذي شاهدنا، ليس لأن التكريم ينتظر القذافي وهو الذي لم يحترم كرامة الإنسان في حياته، ولكن لأن الثوار الذين عاشوا على ألغام القذافي ونجوا منها، هؤلاء الناجون وهم يحررون إنسانيتهم المغتصَبَة من أسر المغتصِب من حقهم على التاريخ أن يوثِّق صفحاتهم بالأسر وبالتحرر، ولكن الاستسلام لشهوة الانتقام والتشفّي السريع هي فوضى ستنقص من تأثير التوثيق وبأكثر من معيار، فإن قسنا ما فعله الثوار بالقذافي على المستوى الأخلاقي، فهو فعل همجي، وبالمعيار القانوني هو عمل فوق القانون لأنه بلا محاكمة، فماذا عن المقياس السياسي؟ على أية حال، ما صار قد صار، وها هم الثوار اختاروا أن يُنقذوا نارهم بحطب القذافي وأبنائه ورفاقه، وها هو الرجل أتقن دس السم لأعدائه حتى أتاه يوم وشرب من ذات الكأس ولم تكن مدسوسة.

    لو أن ثورة الاتصالات بجبروتها ونهم معلوماتها كانت حاضرة عبر حقبات الزمن، كانت هناك أيام الحجاج وصلاح الدين، أيام الحروب الصليبية والثورة الفرنسية، بل كانت أيام محمد علي باشا، فالأكيد انه كشف معلوماتي إخباري كان سيعيد تعريفنا للتاريخ بعبره ودوافعه وسير أهله، فحين نأتي على ذكر محمد علي باشا، نختصر الاسم بوصفه مؤسس مصر الحديثة، وبالمناسبة فقد حكم مصر لـ43 عاماً، فماذا لو كانت تقنيات "يوتيوب" وكاميرات الجوالات على مرأى من مذبحة القلعة أو مجزرة المماليك؟ وهي الواقعة الشهيرة التي دبرها محمد علي باشا للتخلص من أعدائه المماليك، وماذا لو سمعنا بتنديد مجلس الأمن؟ وبتجميد الأصول؟ وبمنظمات حقوق الإنسان؟ ولكن لا شيء من هذا حصل لأن مذبحة القلعة وقعت عام 1811 ميلادية، وحين تهيمن السيطرة على المعلومة، فالسيطرة على الرواية تتحكم بدورها، فهي كما اقتُصرت ووصلتنا نقرأها في جملتين: «غُلّقت البوابات وأمر الجنود بإطلاق النار على المجتمعين»، ومع هذا، وبالرغم من عمل وحشي بحجمه لا يذكر محمد علي باشا إلاّ بإنجازاته الوطنية، وهو المحك! فالحاكم من حيث كونه إنساناً فلا كمال له، ولكن اعطني ايجابيات نوعية تطغي على السلبيات، اقطع الطريق على متصيديك بتضحياتك لصالح وطنك وشعبك، سخّر تجاوزاتك واختياراتك لنهضة مساحتك الجغرافية، ارفع من قيمة أهلك وأبنائك، افعل هذا وذاك وأنت تضمن الانصاف (ولو بعد حين)، وولاء الداخل الذي يحد من تدخل الخارج، فرجالات التاريخ لم يكونوا خيراً خالصاً ولا شراً خالصاً، ولكن كانوا رجالاً ثم كانوا حكاماً، ولو لم يكونوا حكاماً لكفتهم رجولتهم، وهو شرف الرجولة الذي يُعوّل عليه الشعب الليبي اليوم.

    [email protected]

أرسل إلى صديق تعليق
تصغير الخط تكبير الخط

تعليقات

حلقة مفرغة !

بالطبع كل ما قالته الكاتبة صحيح .الأخذ بالثأر بهذه الطريقة لم يكن صحيحا ولا حتى مشرفا!. إنما السؤال وحتى نكون منصفين: هل خطط الثوار لتلك اللحظة حتى نعاتبهم عليها؟!. الجماعة صدموا عندما اكتشفوا أنه كان القذافي. ألم تسمعيهم يقولون باستغراب شديد: معمر... معمر... شديناه (مسكناه).
الرجل وصفهم بالجرذان أكثر من مرة وكررهما ولده الكريه سيف.أليس هو سبب هذا الحقد الذي هم فيه؟.كنا جميعا نتمنى لو أن المجلس الإنتقالي قد أصدر تعليمات واضحة لهم مسبقا بكيفية التعامل مع الموقف لو حصل.
شكرا للكاتبة على هذا المقال الإنساني ولكني أذكرها بأن " كان رجلا في عدائه" هي نادرة في هذا الزمان .

شرف الرجولة

فعلا احييك على مقالك هذا لانصاف الشهيد معمر القذافي مع اني لاعرف هشكراو هو لانصاف القذافي اما محاولة تشويه المتمردون الاسلاميين لان الان جاء وقت الانتخابات

شرف الرجولة

أختي ثريا جرائم محمد علي باشا الوحشيه لم تقتصر على مصر فقط بل وصلت نجد بإعاز من السلطان العثماني فمن اجل القضاء على الدوله السعوديه ارتكب جرائم يندى لها جبين التاريخ .

اضف تعليق

بريدك الإلكتروني لن يظهر علناً احتراماً للخصوصية