أرسل إلى صديق تعليق
تصغير الخط تكبير الخط
  • وزير الدفاع الذي أحبه السعوديون
    الإثنين, 24 أكتوبر 2011
    جمال بنون

    من النادر جداً أن يحدث في أي مكان في العالم أن يحب الناس ويجمعوا على ذلك في شخصية كان الرجل الأول في وزارة الدفاع والطيران لأكثر من 40 عاماً، ويبقى متربعاً على قلوبهم بالحب والاهتمام والمتابعة، في العادة أن منصب وزير الدفاع في العالم يبقى شخصية بعيدة عن المجتمع والناس، أو انه منغلق ولا يخلو حديثه بوعيد وتهديد في تصريحاته الصحافية، ولا تراه إلا في المناسبات العسكرية والاحتفالات. أما أن يكون قريباً من الناس ومن هموم المجتمع فهذا لا يمكن تصديقه، إنما في المجتمع السعودي هذا يحدث من دون أي مبالغة أو كلفة أو تصنع، فالأمير سلطان بن عبد العزيز لم يكن وزير دفاع فقط أو ولي العهد أو حتى أي منصب آخر عمل فيه، بل هو احد أركان هذه البلاد خلال مرحلة التأسيس، وكان مهماً بالنسبة له ان يقترب أكثر من المواطنين ليتعرف على مشكلاتهم.

    لا يمكن أن تسأل أي سعودي وفي أي موقع وفي أي مكان يخبرك انه لا يعرف سلطان بن عبد العزيز، ليس كاسم إنما تعاملاً. هذه الميزة والنعمة التي منحها الله لهذه الشخصية، جعلته قادر على التعامل مع كل فئات المجتمع وبأساليب مختلفة، غطى الجانب الإنساني والاجتماعي في حياته، السياسيون والاقتصاديون والإداريون يعرفون سلطان بن عبد العزيز انه احد مهندسي أركان هذه البلاد في بداية نشأتها كما انه إداري من الطراز الأول واقتصادي قلما تجد مثله، ولكن كيف نجح الأمير الراحل سلطان بن عبد العزيز أن يتربع على قلوب عامة الناس، مع أن مناصبه كانت تستوجب أن يكون بعيداً تماماً عن المجتمع مثل وزارة الدفاع وولي العهد، حتى إن الفترة القصيرة التي أمضاها في بداية حياته أميراً للرياض ووزيراً للزراعة والمواصلات، إنما هي فترة كرست علاقته بحاجات الناس ومطالبهم. وكان يمكن لهذه العلاقة أن تنتهي بين المسؤول والمواطن منذ أن أصبح وزيراً للدفاع ومن ثم ولي العهد، الأمير الراحل بقي على عهده وعلى التزامه بأن يجعل المواطن هو اهتمامه الأول فكان مجلسه الأسبوعي ليس مخصصاً لكبار المسؤولين فقط بل هو أيضاً لمقابلة عامة الناس، واستقبال شكواهم وحل ما يواجهون من صعوبات. ربما يكون هذا هو سبب نجاح سلطان بن عبد العزيز في حياته العملية لأنه كان يفرق بين عمله كوزير أو كمسؤول، وبين علاقته بالمواطنين كأحد رجالات الدولة لتساعده في فهم ورسم خريطة حاجات الوطن واتجاهاتها، وأينما اتجهت تجده يتحدث بخبرة ودراية. فهو إلى جانب خبرته في كل أركان الحياة في السعودية كان ملماً فيها ولعل أهمها في حياته وكرس كل وقته من اجلها، المؤسسة الخيرية التي حملت اسمه، وتعددت أنشطتها الخيرية، وصندوق الأمير سلطان لدعم المؤسسات الصغيرة للسيدات، ومروراً اهتمامه بالأيتام والمعوقين ومشاريع الإسكان.

    لو سالت أي مواطن عن سلطان بن عبد العزيز سيقول لك انه يعرفه، ربما لم يقابله في حياته أو حضر مجلسه، وإنما تعامل مع مكتبه أو جاءته موافقة للعلاج أو نقل إلى مستشفى بواسطة الإخلاء الطبي. سلطان بن عبد العزيز الذي رحل عن هذه الدنيا ترك سيرة حسنة وعملاً صالحاً، وأثراً طيباً في نفوس الناس سيتذكره الأوفياء، وعلى الصعيد الإداري والمسؤول فقد كان ولي العهد السعودي الراحل ووزير الدفاع حازماً وإدارياً منضبطاً ومسؤولاً يهابه الجميع. هو من المسؤولين القلائل الذي يمتلك موهبة التحدث أمام وسائل الإعلام ويرتجل كلمته في الاحتفالات والمناسبات من دون ورقة، وخلال عملي الصحافي اقتربت منه كثيراً وحضرت معه مناسبات واحتفالات، لا اذكر انه منع صحافياً أو إعلامياً من الاقتراب منه لأخذ حديث أو تعليق صحافي، كما انه كثيراً ما يمازحهم ويلاطفهم بخاصة في الاجتماع السنوي لجمعية الأمير سلطان الخيرية، أو في الافتتاحات الرسمية، ولا ينسى العسكريون والجنود البواسل زيارته السنوية لهم على الحدود والمناطق الشمالية والجنوبية في مناسبات الأعياد.

    هو بالفعل يوم حزين على السعوديين وعلى أشقائه وأبنائه وكل من عرف هذا الأمير عن قرب أو بعد، وهذه ميزة تحسب لرجل عاصر بدايات التأسيس والبناء وعاصر ملوكاً ابتداء من الملك سعود وفيصل وخالد وفهد وهاهو كان العضد المساند للملك عبد الله بن عبد العزيز، وشهد نشأة البلاد واسهم في وضع قواعدها الإدارية والتنظيمية والتشريعية، وشهد نهضة بلد في مجالات عدة ومختلفة، وهناك جانب مهم أيضاً اهتم به الأمير الراحل وهي الحياة الفطرية وإنماؤها والتي كان يترأس مجلس إدارتها وحصل في هذا المجال على درع رجل البيئة العربي الأول عام 1996. وليس بمستغرب أن يتحول الوطن إلى دمعة كبيرة لرحيل هذا الرجل الإنسان.

    * إعلامي وكاتب اقتصادي.

    [email protected]

أرسل إلى صديق تعليق
تصغير الخط تكبير الخط

اضف تعليق

بريدك الإلكتروني لن يظهر علناً احتراماً للخصوصية