أرسل إلى صديق تعليق
تصغير الخط تكبير الخط
  • الأمير سلمان ... و«شوية البدو الرجعيين»!
    الإثنين, 14 نوفمبر 2011
    عبدالله ناصر العتيبي

    قبل أكثر من ثلاث سنوات، جمعني لقاء مع الأمير سلمان بن عبدالعزيز وزير الدفاع السعودي الجديد في مكتبه السابق بإمارة منطقة الرياض. وكان الأمير قد أرسل في طلبي للحديث عن موضوع معين كنت قد أثرته في كتابة سابقة في صحيفة «الحياة».

    تحدث معي الأمير في أمور كثيرة، وتشعب في مواضيع شتى اعتماداً على معرفته وحصيلته الثقافية الموسوعية التي أعرفها ويعرفها الكثير من السعوديين، لكن ما بقي في ذاكرتي من ذلك اللقاء هو تأكيده على أنه مع حرية التعبير عن الرأي أياً كان مصدره وأياً كانت وجهته بشرط أن يكون نتاجاً للموثوقية والصدقية، وألاّ يتسبب بضرر للوطن أو أي من مكوناته، وأنه لا يقبل أبداً أن تحيد شعيرة العدل عن مكانها، فكل المواطنين متساوون في الحقوق والواجبات تحت العلم السعودي.

    أظن أن الإيمان العميق والاعتقاد الراسخ اللذين يملكهما الأمير سلمان تجاه هذه المسائل خصوصاً، واللذين (الإيمان والاعتقاد) ينسحبان تأكيداً على بقية المتنفذين في السلطة السعودية بحكم مكانة الأمير في منظومة الحكم وقوة تأثيره محلياً، ساهما بشكل واسع في ثبات السفينة السعودية واتزانها على سطح بحر التغيير برغم تلاحق موجات الربيع العربي في الأشهر العشرة الأخيرة.

    السعوديون مطمئنون إلى عقائدهم وأعراضهم وأنفسهم وأموالهم وعقولهم، ويعرفون أن هذه الطمأنينة ما كانت لتكون لو لم يقيض الله لهم أناساً من بينهم انبروا لتحقيق توازنات شديدة التعقيد كرامةً وحباً في أهليهم. ويعرفون أكثر أن للعدل في حياتهم قيمة عليا لا يمكن المساس بها من أي «كائن كان» حتى وان كان ذا قوة ظاهرة وتأثير غير محدود.

    التوافق التاريخي وهامش الحرية المنضبطة الذي لا سقف له والعدل المحقق على أرض الواقع، كلها جعلت المواطن السعودي مراقباً لما يحدث في بعض الدول العربية، وداعياً اخوته العرب لأن يتخلصوا من ديكتاتوريات جرحت ضروراتهم الخمس، وفي الوقت ذاته معصوماً من طلب التغيير من أجل التغيير فقط، وهو الذي يملك ما يبحث عنه الآخرون: الحرية المنضبطة والعدل بين الناس.

    قلت في مقالة سابقة هذا العام إن مسببات خروج الناس للشارع برغم مواجهتهم بالقمع والقتل العشوائي لا تخرج عن ثلاثة: الجوع والقمع المبرمج والاضطهاد الديني، وكل هذه الأعمدة الرئيسية للثورات غير موجودة في المشهدين السياسي والاجتماعي في السعودية، بل يمكنني القول إن ما يقابل هذه الأعمدة في الجهة الأخرى الموجبة، هو ما جعل السعوديين يقفون صفاً واحداً، مكونين جداراً منيعاً في وجه موجة سقوط أحجار الدومينو التي جاءت إلى البلاد على صهوة العدوى «الإعلامية» واستجابة لنداءات أطراف يهمها صناعة التابع وخلق حالة متوهمة من التقدمية على حساب وجود قوى رجعية مغلوبة، متوجبة للحشد دائماً، دعماً لتمام بدر الغالب.

    في منتصف القرن الماضي كانت البلاد العربية تصنف في الإعلام المصري والإعلام الشامي إلى قسمين: دول تقدمية ودول رجعية. الدول التقدمية هي مصر وبلاد الشام والعراق والدول الرجعية هي دول الخليج ومن بينها المملكة. كان إعلام الحكومات الجمهورية الوليدة في ذلك الزمن يعمل على مدار الساعة على تأكيد هذه الحدية، فيما الدول الرجعية (اسماً) تعمل على بناء اقتصاداتها على أسس متينة وتشتغل على تكريس مفاهيم العدل والمساواة رأسياً وأفقياً في شبكاتها الاجتماعية. انشغل التقدميون خلال توالي السنوات عن التنمية والبناء بسن القوانين القمعية و «الطوارئية» وتنفيذها على مواطنيهم، واستمر «الرجعيون» في تقديم منظومة الكرامة الإنسانية لمواطنيهم. وفي النهاية وعند بلوغ السيل الزبى، خرج الثائرون إلى الشارع في دول الانقلابات الجمهورية مطالبين بحقهم في الحياة، وأكمل التقدميون الحقيقيون، الذين كانوا يعرفون قبل أقل من ٥٠ عاماً بـ «شوية البدو الرجعيين»، مسيرتهم نحو تحديث دولهم وتفعيل آليات الإصلاح بما يتناسب مع تطور أنظمتها الاقتصادية والاجتماعية. اليوم، والربيع العربي يضرب شواطئ دول المنطقة، عاد التقدميون الجدد إلى الدعوة تلو الدعوة إلى تغيير الأنظمة الحاكمة في الخليج اعتماداً على النشوة الثورية الناشئة وعودة لتكريس مفهوم المراكز والأطراف الذي نُسخ منذ أكثر من ٢٠ عاماً، وبدلاً من الاشتغال على تحقيق أهداف الثورات «المباركة» والعمل على نفي الجوع والقمع والاضطهاد الديني من بلدانهم، حولوا أنظارهم إلى دول «التوافق التاريخي» والحياة الكريمة، مطالبين أبناءها بالثورة من أجل الثورة فقط، تقليداً واتباعاً. لكن التاريخ يعيد نفسه من جديد، فثبات السعودية ورسوخ قيم «العدل والحياة الكريمة» بين أبنائها وتراكم التجارب الإصلاحية على أرضها، ساهمت في بناء رمز إقليمي شديد الصلابة لا يمكن أن يهتز أو يضطرب لمجرد المحاكاة والتقليد، وهذا ما أكده التغيير الذي طال منظومة الحكم مؤخراً والذي تم بسلاسة واضحة وهدوء كامل الدسم في ظل متغيرات إقليمية ذات جلبة كبيرة وأصوات عالية شديدة الحدة.

    العدل وضمانات حرية التعبير والتنمية الشاملة التي لا تفرق بين مواطن وآخر ومنطقة وأخرى، كما يقول الأمير سلمان، هي حصانة الدول ضد موجات الزمان المتعاقبة، وأظن أن على إخوتنا العرب الخارجين من رحم الديكتاتوريات، أن يقرأوا أسفار الاستقرار ومسبباته كي لا يقعوا في أخطاء أسلافهم قبل أكثر من نصف قرن نفسها.

    رحم الله سلطان الخير وأمدّ بالقوة إخوته وعلى رأسهم الملك المصلح عبدالله بن عبدالعزيز.

    * كاتب وصحافي سعودي

    [email protected]

    twitter | @anotaibi

أرسل إلى صديق تعليق
تصغير الخط تكبير الخط

تعليقات

الأمير سلمان ... و«شوية البدو الرجعيين»!

مقال في الصميم اشكرك استاذي الفاضل
المشكلة اصحاب الحضارات لازالو مستمرين في وصف انفسهم بأبناء الحضارة واضافو عليها اهل الثورة والحرية
اللهم اجعل هذا البلد امنا مطمئنا

الأمير سلمان ... و«شوية البدو الرجعيين»!

بس ترى ما هو كل المصريين جوعانين ولا كلهم مضطهدين دينياً ولا هو كلهم مقموعين ،، ، أما الذي لا يصدع بالحق على طريقة كشك فكان مبسوطاً في مصر الحبيبة .... وللمعلومية القذافي كان يفتح الباب للدعوة الاسلامية على مصراعيها بل وإنه لم يكن يسمح لأهل البدع بالعمل في ليبيا ،،، ولكن هنالك أمر يعرفه الجميع هو ما جعل الشعوب تنتفض ألا وهو عندما حاول الحكام الشعوب لمجرد عبيد يخدمونهم وفي أفضل الأحوال ضيوف بلا مساكن !!

سيدي الفاضل

مع كامل احترامي لكل ما كتبت إلا أنني أحسست ببعض الشماته بالمقال ... وشكراً

الأمير سلمان ... و«شوية البدو الرجعيين»!

نعم القيادة لدينا من الشعب والشعب من القيادة وتم انشاء هذا الكيان العظيم بتشارك القيادة ومكونات الشعب ولهذا هم لم يأتوا على ظهر دبابة او بانقلاب عسكري ، فلهذا عندما يتكلم المطالب لدينا بالاصلاح تجده يريد ويصر ان يكون الاصلاح عن طريق القيادة لانها منا ونحن منها ولذلك لامجال لكلمة تغيير فأن التغيير يكون في شيء لايمكن اصلاحة اما الدولة لدينا سائرة في الاصلاح ولو كان بطيء ونحن نأمل ان يكون الاصلاح سريعاً ويشمل جميع الامور السياسية والاقتصادية ومحاربة الفساد والمتنفذين والامور الخدمية التي تاتي تباع لما سبق ذكره .
نحن السعوديين بخير والخليجين بخير ويجب المحافظة على مقدراتنا وعدم الانقياد خلف تحريض المغرضين فاليوم سقطت جميع الاقناع وتبين التقدمي من الرجعي والقمعي وهذا لايعني ان لانطالب باصلاح يكون عن طريق الدولة ويخدم المواطنين في الخليج .

الأمير سلمان ... و«شوية البدو الرجعيين»!

ياحلونا من بدو .....
ياحلونا من رجعيين ..
ياحلونا وياحلاتنا ...
لبى البدو .. اهل الكرم والنخوة والفزعه ...والشهامه والشجاعة ..والحشمة ...
ومايصح غير الصحيح ....

شكرا" اخي الكاتب فلقد (( نغزت ))بعض الكاتبات والكتاب في الأعلام السعودي الذين يتهمون الشعب السعودي بالرجعية والتخلف والبداوه ....
فديت انا البدو .. وفديت كل بدوي غيور لايسكت عن حق ولاينافق أمام الغرب ليقولوا عنه انه متحضر كما يفعل البعض مع الأسف الشديد ....

اضف تعليق

بريدك الإلكتروني لن يظهر علناً احتراماً للخصوصية