أرسل إلى صديق تعليق
تصغير الخط تكبير الخط
  • أخلاق الشارع
    الإثنين, 09 يناير 2012
    بدرية البشر

    إذا أردت أن تعرف أخلاق مجتمع فانظر إلى أخلاق الشارع فيه، وطالما عجبت وأنا أتمشى على قدميّ في شوارع أميركية كيف يلتزم المتشرّدون والمتسوّلون والمجانين بأمراضهم النفسية وبؤسهم بآداب الشارع، فلم تسمع مرة كلمة نابية ولا تعدياً من أحد، وطالما فكرت أن مثل هؤلاء لو وجدتهم في شوارع إسلامية أو عربية فإنك تضطر أن تتخذ معهم الاحتياطات كافة، فإما أن يؤذوك أو يبتزوك أو يتحرشوا بك. وقد عرفت أن هذا المجتمع الذي أسبغ على مشرديه أخلاقه لم يكن عبثاً، فقد قصَّت عليّ صديقة عاشت سنوات في مدينة كندية أن الحي الذي سكنته سنوات كان سكانه يتناوبون على رعاية متشرد فيه مدمن على الكحول، وفي كل صباح كان من يصل إليه الدور يدخلونه البيت ليستحم ثم يعطونه وجبة ساخنة ثم يقولون له: «يالله أذهب عش تشردك اليومي».

    في الشارع الأميركي تشاهد المشاة ملوكاً وهم يعبرون الشوارع يتمخطرون بهدوء وأمان، لأن الجميع قد تعارف نظاماً وخلقاً على ما يسمى بحق الطريق، بينما تراهم في شوارع أخرى يهرلون بخوف وفي بعضها يدهسون، وكم مرة سمعت تعليقاً يقول «شف ذا الحمار الذي قطع الطريق». مجرد حمار عبر طريقاً.

    في دبي لاحظت أنني كلما مررت في شارعنا المجاور وجدت عامل نظافة يرفع يده نحوي ويتمتم السلام عليكم، في المرة الأولى خلتها مصادفة، لكنني في المرة الثانية والثالثة ومع عمال مختلفين عرفت أنه سلوك شائع بينهم بسبب عادة حميدة لا بد تسبّب بها مجتمع دبي المسالم، فلماذا تجد هؤلاء العمال في مدن أخرى نزقين حادين متربصين لا تأمن شرهم؟ امشِ وتأمل في شوارع العالم وفتش عن أخلاق المجتمعات والأجناس والأفراد، لا تكن قاطعاً لكن تأكد أن كل قراءة هي دليل ومفتاح معرفة حول أخلاق الناس في هذه المدينة.

    ولأنه لا يوجد لدينا شارع حقيقي يستطيع أي متأمل أن يقيس حالته، فإنك تستطيع أن تتأمله في مساحات التعبير المفتوحة التي وفّرتها وسائل النشر والاتصال الكونية. تستطيع أن تتمشى فيها وتتأمل التعليقات التي يتركها القراء والزوار لهذه المواقع. وتحت المقالات والأخبار، وفي مساحات التعبير في صفحات «الفيسبوك» و«تويتر». ستجد سلوكاً يشبه سلوك الشارع لأنه سلوك غير مقيّد ولأن صاحبه غير معروف. ستجد زائراً مرّ بصمت ولم يترك له أثر لم يكلف نفسه بدعم رأي وافق رأيه، وآخر صاخباً يترصّد أخطاء الكاتب، يقوِّمه ويدّعي أنه أعلم منه في دينه أو لغته أو في رأيه، ويجهّله من دون أن يلتزم بأدنى درجات اللياقة والآداب العامة، وستجد تعليقاً يتجرأ على صاحب المقال لأن كاتبه امرأة فيصفها بالعجوز الشمطاء، وبأن «جبهتها عريضة»، كأن الكاتبة قد قدمت له نفسها في عرض زواج أو معرض جمالي وتنتظر منه تقييمها، وتجد بعضهم يتجرأ على كاتب ذي علم وثقافة بالسب والشتيمة، ولطالما وجدت في بعض المواقع تعليقات تم حجبها لعدم ملاءمتها قواعد النشر. هذا شارع حقيقي أيضاً يكشف كيف هي أخلاق الناس في الحوار والاختلاف.

    الشارع الذي يمشي فيه الإنسان ويجد فيه أُناساً تضحك معه أو تبتسم له أو يسلّم عليه الغرباء، أو يحترم خصوصيته، أو يتجرأ عليه بالمضايقة هو نتيجة نهائية صريحة لأنظمة التربية السياسية والاجتماعية والثقافية. وهناك شارع تمشي فيه وتتعجب، وشارع تمشي فيه وتتحسّر.

    [email protected]

    twitter | @badryahalbeshr

أرسل إلى صديق تعليق
تصغير الخط تكبير الخط

تعليقات

أخلاق الشارع

جميل جدا وصفك للشارع وكما تفضلت هي ثقافية ومقياس لذالك الشعب .
يعجبني في مقالك أنك تلامسين جروح البشر من هنا ومن هناك وبما أنك تكتبين (أي شي) لابد من وجود المؤيد والمعارض وهكذا هو حال البشر ما أن يرى نجم يسطع ويلمع مثلك الا وتأخذه العزة بالاثم ويرمي بكلامات ويتهجم وهو بذالك لا ينقص من قيمة الكاتب شي بل هو يعبر عن ما يكنه بين اضلاعة من حقد دفين فدعي القافلة تسير والكلاب تنبح .
وفقك الله وسدد خاطك .

أخلاق الشارع

يمكننا ايضا قياس مقدار اخلاق مثقفينا عبر مقياس "بهو الفنادق "

أخلاق الشارع

جميل جدا وصفك للشارع وكما تفضلت هي ثقافية ومقياس لذالك الشعب .
يعجبني في مقالك أنك تلامسين جروح البشر من هنا ومن هناك وبما أنك تكتبين (أي شي) لابد من وجود المؤيد والمعارض وهكذا هو حال البشر ما أن يرى نجم يسطع ويلمع مثلك الا وتأخذه العزة بالاثم ويرمي بكلامات ويتهجم وهو بذالك لا ينقص من قيمة الكاتب شي بل هو يعبر عن ما يكنه بين اضلاعة من حقد دفين فدعي القافلة تسير والكلاب تنبح .
وفقك الله وسدد خاطك .

أخلاق الشارع

كلام عين العقل فعلا مطلعه جدا على مايدور في المجتمعات. . شكرا

أخلاق الشارع

اسقاط رائع وتشبيه تمثيلي اروع لما حصل من ردة فعل لتغريدة صالح الشيحي والتي اعطيت اكبر من حجمها وصدقوني ان الشيحي رغب في كسب اصوات الاسلاميين نظراً لقرب محاكمته في قضية مع وزير المالية والا فان مثقفينا ومثقفاتنا ارفع واعلى مستوى مما وصفهم به الشيحي هداه الله. وكل اناء بما فيه ينضح

أخلاق الشارع

مقال رائع،،وأتمنى أن يؤثر فينا هذا المقال وأن يؤثر في المجتمع كافة،،لأن للاسف"مجتمعنا" لايعترف"بحق الطريق"..

أخلاق الشارع

شكرا أم راكان. نحتاج الى تفعيل حقوق المشاة. تخيلي بأن هناك شوارع كثيرة لاتعمل فيها إشارات المشاة!

أخلاق الشارع

على هالكلام ، أنا متأكد أنك ما تنزلي الشارع أبداً .. انا زرت كندا والخطر في الشوارع يحذر منه الجميع .. في الحي الصيني ومناطق اخرى في الداون تاون ..
وبالنسبة لعمال النظافة ، يدورون صدقة ! عندنا نفس النظام هنا .. الشاهد المقياس الذي تتحدثين عنه ضرب من الخيال ، و فيه تطويع للصور ..

شكراً

أخلاق الشارع

جميل جدا..اعجبتني كثرا فكرة قياس اخلاق الشارع الافتراضي على الشارع الحقيقي.. ولكن, وحتى يكون القياس ثابتا وأكثر اقناعا, تمنيت أن لو تريثت الكابتة واستطردت قليلا وامعنت النظر خلال الشارعين الافتراضيين "الغربي والعربي"..لربما وجدت ان هنالك شبه كبير بينهما في فكلاهما يحمل نفس المواصفات!
"سلوك غير مقيّد", "صاحبه غير معروف", "ستجد زائراً مرّ بصمت ولم يترك له أثر لم يكلف نفسه بدعم رأي وافق رأيه"، "وآخر صاخباً يترصّد أخطاء الكاتب", "من دون أن يلتزم بأدنى درجات اللياقة والآداب العامة" "وستجد تعليقاً يتجرأ على صاحب المقال لأن كاتبه امرأة"..الخ

مجرد رأي
شكرا لتقبله.

أخلاق الشارع

الفكره واضحه وهي احدى اساليب الحكم على المجتمع،الردود السيئة اوالسلبية ربما هي نتاج مواقف سابقه مع الكاتبة أو لمجرد الانتقاد ، والمقال ليس دستور يجب ان يحتوي كل القضايا والاتجاهات المتعلقة بالموضوع لكي يحكم عليها. وأضيف ان الانغلاق السابق في مجتمعنا ولد مثل الردود السيئة الطرح. ولكن مجتمعنا يصعب الحكم عليه حاليا،وربما تتضح مستويات الوعي لديه مستقبلا. الاستاذه بدريه/كتبت عن الموضوع في تويتر قبل قراءة المقال،وأعيد ارجو الاتكوني حساسه من الردود السلبيه ولكن ارجو مراعاة حساسية الشعوب الخليجية نحو معتقداتها الدينية والخلط في هذه الامور بين المقدس والقابل للنقد. ولكم تحياتي

أخلاق الشارع

بالنسبة لأمريكآ .. لما تروحي مدينة واحدة لا تحكمي ع بقية المدن و معروفة المدن الاميركيـة من بعد 10 اللـيـل ..

طيب اليابان .. الصيـن .. كوريـآ .. روسـيــآ إسترآليـآ ؟؟؟

و لا هاذي من الفضاء الخارجي البشر ما ينزلون عليها ؟؟ أعرف يا كثر الناس اللي في هاي الدول و سمعت اشياء و اشياء ...

ما أنكر عدم وجود الانظمة في الشوارع في الدول العربية و الاسلامية وهذا حق لكن التخصيص مشكلة و خاصة لما يكون المقال باللغة العربيــة

أخلاق الشارع

المقال جميل ياسيدة بدرية نتفق على سبيل المبدأ. لكني لست مع عقد المقارنات بين دولة ودولة او شعب واخر لسبب ان في النهاية لابد من خاسر. ولكن نستطيع ان نشخص السلوكيات السيئة في بلادنا ونبحث في الاسباب ربما ليس الشعب هو السبب بل اريد له ذلك او اغفل عن اشياء ظنا انها جانبية وانما الامم الاخلاق مابقيت فان همو ذهبت اخلاقهم ذهبوا. تحياتي لقلمك الانيق

أخلاق الشارع

كلام جميل وواقعي لكن دائما عندما تكون المقارنة بامريكا واوروبا تكون ردة الفعل على غير المتوقع

أخلاق الشارع

الهدف من الفكرة واضح. ونبيل في طياته ونشكر الكاتبة على طرح ومشاركة تجربتها ولا اعلم لماذا دائما نبحث عن ما يلغي الفكرة الهادفة وطمس الرغبة لدى احدنا في التوجيه والاصلاح او حتى مجرد استيراد الخلق او السلوك الايجابي ولفت النظر له وذلك بالتقليل من اهميته وتغليب المظهر السلبي او قتل الفكرة وهي في مهدها
اشكر الكاتبة واتمنى لها التوفيق دائما

أخلاق الشارع

كلام سليم ومن وجهة نظري ان اخلاق الشارع دائما ما ترجع الي منظور واحد في المجتمع الذي فيه هذا الشارع الا وهو(العنصرية) التي في هذا المجتمع , فكلما ازدادت ونقصت نسبة العنصرية في المجتمع كلما ارتفع او انخفض مستوي اخلاق الشارع

أخلاق الشارع

في امريكا ياسيدتي هناك عصابات الشوارع القاتله المنظمة لم تذكريها لنا ...لماذا .؟؟؟؟
في شوارع امريكا واوروبا قبل فتره تعرض طلاب سعوديين للأعتداء العنصري ... فأين انتي منهم ..؟؟؟
في الصين طفله تدهسا اكثر من سيارة ولم يتدخل احد لأنقاذها حتى تقطعت أربا",,,, أين انتي عنهم ...؟؟؟؟
في الغرب ياسيدتي كل واحد في حاله ..!! لايهمه الأخرون حتى لو كانوا يواجهون الموت .. يعني لو رأو رجلا" مضروبا" بالرصاص ويحتاج لمساعده فانهم يتركونه خوفا" من انتقام العصابات ...!!
ختاما"//
أحلى منظر بالكون هو منظر شوارع بلد الحرمين الشريفين ..
كم أكون في غاية الفرح عندما ارى اهل النخوه والشهامه والجود والكرم يسيرون في الشوارع رغم اخطائهم ..
أحبك ياوطني

أخلاق الشارع

في شوارع أمريكا لو مررتي لوحدك بشارع لتم سلب ما معك .

أخلاق الشارع

أختي بدريه : العمال اللي يقولون السلام عليكم في دبي يريدون منك ماتجود به يمينك ومعظم العمال عندنا في الرياض وأخص عمال النظافه في الأسواق والشوارع وممرات المشاة يقولون السلام عليكم للفت الأنتباه وكلنا نعلم ذلك .. منهم من أقول وعليكم السلام فقط حينما اجد من سبقني رجلا أو إمراه. وضع في يده ومنهم من أعطيه قسمة الله أردت التوضيح ليس إلا ولو كنتي ساكنه في الرياض كان لاحظتي ذلك .. تحياتي لك

أخلاق الشارع

رائع يا بدرية، أتابعك دائماً

اضف تعليق

بريدك الإلكتروني لن يظهر علناً احتراماً للخصوصية