أرسل إلى صديق تعليق
تصغير الخط تكبير الخط
  • نظارة سوداء ... وقربة مشقوقة
    الخميس, 19 يناير 2012
    عبدالعزيز السويد

    يجتهد الكاتب في رصد مؤشرات، يرى فيها بوادر أخطار، ينبه حذراً من خسائر وتراكمات تحدثها، وإذا وضعنا «التطنيش» الذي تُقَابل به تلك المحاولات جانباً، أنا مثل آخرين بين فكي رحى، فئتين من القراء، فئة تقول انزع النظارة السوداء، وكفاكم مبالغة انظروا للجانب المشرق من حياتنا، ولم يتبقَ عليهم سوى تذكيرنا بأن «السماء والأنجم ملكنا»- على اعتبار أن الأراضي نفذت، ولم يتبقَ منها شيء للكشتة فكيف بالسكن- وفئة أخرى على الطرف النقيض تقول: «الشق أكبر من الرقعة»، وأصواتكم لا صدى لها، انصرفوا لشؤونكم. صحيح ان هاتين الفئتين لا تشكلان غالبية القراء حتى اللحظة، إلا أن لهم حضوراً لافتاً، الأولى تتناقص، والثانية تتزايد. وأتوقف عند الأولى لخطورة هذه المرحلة.

    الكاتب مثل فرد من الكشافة أو طلائعها يحاول سبر أغوار الأفق حتى لا تقع القافلة في فخ منصوب، أو جرف سحيق، ربما يكون أدلاء القافلة انشغلوا بالحديث، أو اشغلهم بعض من حولهم عن رؤية الطريق، وما يخفي من أخطار محتملة، ومثلما يزعم البعض قدرة على قراءة ما بين السطور، يزعم الكتاب - أو بعضهم- قدرة على قراءة المؤشرات، والعبرة بالسجل المحفوظ، لكن أصحابنا من المتخصصين بنزع النظارات السوداء عن العيون، لا يلتفتون لذلك السجل، غرقوا في الأمل وصنعوا منه حقيقة يلمسونها، لكنه يبقى أمل يحتاج لتحقيق، وهناك فرق بين الأمل والوهم به، الأمل هو ما يدفع للكتابة والحرص والتطلع لأفق أفضل، أما الوهم به دون معرفة حالته الصحية، فهو ما يحض على التراخي والدعة، ومن ثمار الأخير ما نقذف به أحياناً أو ننصح إن شئت، بـ«عدم المبالغة»، والذين لا يرون سوى محيطهم الصغير ويقيسون عليه «على افتراض انه ايجابي» لا تتشكل لديهم حقيقة الرؤية، لا أقول قصر نظر بقدر ما هو حدود اهتمام وترتيب أولويات، ومن السجل نأخذ قضايا أصبح الجميع معترفاً بخطورتها، الذي يتذكر طوفان المسلسلات المصرية التلفزيونية في زمن مضى، لا بد أن يتذكر كيف كان السعوديون يندهشون مما يدور فيها عن حاجة للسكن و«الشقة»، والبطالة وأصحاب شهادات لا يجدون عملاً، وأنظر إلى أحوالنا اليوم، وازعم أنني في ما كتبت منذ سنوات طويلة حذرت من الوصول إلى الحالة المصرية، مع فروقات في الدخل وعدد السكان، وقوبلت بالسخرية و«المبالغة»، وقتها كانت لدي مؤشراتي.

    والكاتب مثلما يجاهد «المطنشين» الذين تجمعهم مع أصحاب نزع النظارات السوداء حدود اهتمام أو أولويات، يجاهد أيضاً المحبطين من أصحاب نظرية «القرب المشقوقة»، لكنه يتفهم دوافعهم إذ إنهم يذكرون برتق الشق، مهما كان كبيراً، فالوقاية... خير من «الانسداح» والتأمل في نجوم السماء.

    www.asuwayed.com

    twitter | @asuwayed

أرسل إلى صديق تعليق
تصغير الخط تكبير الخط

اضف تعليق

بريدك الإلكتروني لن يظهر علناً احتراماً للخصوصية