أرسل إلى صديق تعليق
تصغير الخط تكبير الخط
  • تعرف إيه» ... عن المنطق
    الإثنين, 23 يناير 2012
    جمال بنون

    قبل أسبوعين داهم مراقبو بلدية في جدة أحد المطاعم وأوسعوا العاملين فيها ضرباً وركلاً وحطموا القدور والصحون، لأن العاملين فيه لا يحملون بطاقات صحية، والسبت الماضي قام مندوب وزارة العمل برشق أحد الشركات الخاصة بالحجارة، لأن الشركة لم تلتزم بنسب «السعودة» وتحسين رواتب العاملين، وهي الآن في «النطاق الأحمر»، على رغم تحذيرات وزارة العمل بوقف أنشطة هذه الشركة، فما كان من وزارة العمل إلا أن سلطت مجموعة من المراقبين لتحطيم زجاج الشركة، وفي أحد شوارع المدينة المنورة قامت إدارة المرور بتعطيب عجلات سيارات المواطنين الذين لديهم مخالفات ولم يسددوها، وتركت على الزجاج الأمامي للسيارات ملصقاً تحذيرياً بسحب السيارة إن لم يتم تسديد مخالفات «ساهر» خلال أيام، وفي أحد مستودعات الرياض قبضت لجنة الغش التجاري عبوات «شامبو» مقلدة، وفي الحال جمعت عمال المستودع وغطّست وجوههم في سطل كنوع من العقاب على ما اقترفوه من ذنب عظيم وغش وتدليس بالمستهلك، والحقيقة هناك مجموعة من التصرفات نفذها موظفو الإدارات الحكومية تجاه المؤسسات والمواطنين المخالفين للأنظمة والقوانين، فقد شاهد المارة في أحد شوارع تبوك رجال الجوازات يطاردون بالعصي المتخلفين والمقيمين بطريقة غير نظامية والهاربين من كفلائهم، فتحول الشارع إلى «أكشن» لخفة حركة الهاربين، فيما أغلق المواطنون الشارع المقابل حتى لا تدخل السيارات فتفسد متعة المشاهدة.

    أما الشيء غير المصدق في مجموعة القصص التي أوردها لكم، أن شركة الكهرباء سحبت من منزل أحد المواطنين جهازي كومبيوتر وتلفزيون وسحبت سلك الثلاجة، فقط لأن «أبوسعد» لم يسدد فواتير الكهرباء منذ شهرين. وعليكم أن تقيسوا كل الإدارات الحكومية والمؤسسات الخدمية حينما تخرج لتطبيق قوانينها وأنظمتها على المجتمع. بقي أن أخبركم أن كل الأخبار والقصص التي ذكرتها في المقدمة، هي من نسج الخيال ليس لها أساس من الصحة، ولا يمكن لأي جهاز حكومي أو مجتمع مدني أن يفرض عقوبات أو يتعامل بهذه الطريقة مع الناس، قد يلجأ إلى طرق وأساليب حضارية عدة، وفرض عقوبات وغرامات مالية، أما أن يحدث مثلما ذكرت فهذا لا... لا يمكن أن يحدث إطلاقاً إلا في الخيال العلمي، أو أفلام «الأكشن».

    وحتى تخرجوا من واقع الخيال إلى الواقع الحقيقي، اقرأوا هذه الأخبار، وأنت في أحد مراكز التسوق فجأة يقف أمامك مجموعة من الأشخاص وتحت التهديد يطلبون منك إبراز هويتك، ربما تكون أوصافك قريبة من صور الأشخاص المطلوبين، فترتبك وتتلعثم وتتصبب عرقاً ويلتف من حولك أبناؤك وزوجتك، وتدريجياً يلتف كل الناس في مركز التسوق، وبعضهم يقف في مكانه ويبدأ في التصوير من هاتفه النقال، وبعد كل هذا «التخريع» تكتشف أن الأمور عدت بسلام بعد أن أظهرت بطاقتك الشخصية وكارت العائلة، وأن الأشخاص الذين كانوا يسألون عن بطاقتك، ليسو إلا موظفين يعملون في جهاز «هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر». وأمر آخر يشبه القصص الخيالية التي ذكرتها في المقدمة، فجأة يدخل أحد الموظفين في الهيئة على محال لبيع مستحضرات التجميل، ويشرع بقلمه الأسود، في تطميس الصور الموجودة على المنتجات، تقف مبهوراً من هذا التصرف من دون أن يستطيع أحد أن يوقفه ويحقق لك خسائر في المبيعات، فالناس أحياناً تتبع الدعاية الموجودة على السلعة.

    من حقهم أن يفتشوا حقيبة المرأة، ومصادرة الجوال وتفتيش الصور، ومن حقهم أن يشتموا ويركلوا ويلقوا عليك أبشع التهم والألفاظ، وإذا كانت المرأة تلبس عباءة ملونة «أعانها الله»، وإن كان الرجل «حليق الذقن والشنب» شنوا عليه هجوماً كاسحاً من الكلمات والاتهام بمؤازرة الغرب، لدى جهاز هيئة الأمر بالمعروف صلاحيات بمداهمة أي شقة أو منزل أو إيقاف أي شخص، ولديهم صلاحيات الدخول في أي مناسبة، أو اجتماع حكومي، أو مهرجان يقام بترخيص من جهات عليا، مثل منتديات أو مؤتمرات، لهم أسلوب مباغت في مداهمة الأماكن، يذكرك «بأهوال يوم القيامة»، و«عذاب القبر»، المؤسسة الحكومية الوحيدة التي أفرادها لهم صلاحيات باستخدام أيديهم وأرجلهم في التعامل مع الناس. المجتمع السعودي ليس على خلاف مع هذا الجهاز، إنما عدم تقبل البعض أو الغالبية أن «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» هو جزء من شريعة الإسلام الذي يتعامل معه الناس في سلوكهم وتصرفاتهم وتعاملاتهم، وهو أمر موجود في بيئة تربت وتعلمت وعاشت في محيط إسلامي، بصرف النظر إن كان محيطاً معتدلاً أو وسطاً أو متطرفاً.

    لقي تعيين الشيخ الدكتور عبداللطيف بن عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل الشيخ في منصب الرئيس العام لهيئة الأمر بالمعروف بقرار الملك عبدالله بن عبدالعزيز، ترحيباً كبيراً في الأوساط الاجتماعية السعودية، وهذا أمر طبيعي أعتقد ما كانوا ليفرحوا كثيراً لو أن الأمر يتعلق بتعيين وزير أو مسؤول حكومي آخر، وواضح أن الاستهجان والتذمر من تصرفات بعض موظفي الهيئة مع المجتمع بلغت إلى حد التذمر والتضجر، خصوصاً أن المضايقات وصلت إلى حد التدخل في الحقوق الشخصية بدلاً من السلوكيات العامة التي نتفق جميعاً أنها يجب أن تكون وفق معيار اجتماعي يرضي الجميع، وهذا الترحيب بالرئيس الجديد هو أن الناس تنظر إلى المقبل برؤية وتطلعات مختلفة.

    إننا نمد أيدينا إلى الرئيس الجديد للإسهام في تحسين العلاقة بين المجتمع والهيئة وتكوين صداقة حقيقية، حتى يؤدي هذا الجهاز دوره كناصح ومرشد وموجه، ونطالب بإعداد لائحة أساسية ومراجعة لنظام الهيئة بما يتماشى وتطورات العصر، وليس حرجاً لو تم إعداد لائحة بصلاحيات عمل الموظفين الميدانيين مع التأهيل والتدريب واستبدال قانون عقوبات الجلد بمخالفات وغرامات مالية، كما هو معمول في الإدارات الحكومية الأخرى، مع ضرورة حسن المظهر والأسلوب المستمد من أخلاقيات الإسلام، واتباع الأنظمة والقوانين المتعلقة بنظام الإيقاف ومداهمة البيوت، ووقف المطاردة والملاحقة، والتسبب في إلحاق الضرر بالناس، أمر فيه الكثير من التشويه لسماحة الإسلام، فتح اقسام نسائية لمواكبة الحاجات.

    الرئيس الجديد لهيئة الأمر بالمعروف لديه عمل شاق، يتطلب منه بالدرجة الأولى تحسين صورة الجهاز في نظر المجتمع، واعتباره صديقاً للمجتمع يقوِّم السلوك الخاطئ بقيمه الإسلامية، فجهاز الهيئة جهاز رقابي وليس جهازاً حكومياً يُصدر الأحكام، فالقانون هو الذي يعاقب الناس وليس موظفون في الميدان، تحسين الصورة الذهنية وإعادة الثقة في المجتمع واحدة من أهم المراحل المقبلة.

    * إعلامي وكاتب اقتصادي.

    [email protected]

    twitter | @jbanoon

أرسل إلى صديق تعليق
تصغير الخط تكبير الخط

اضف تعليق

بريدك الإلكتروني لن يظهر علناً احتراماً للخصوصية