أرسل إلى صديق تعليق
تصغير الخط تكبير الخط
  • إن غداً لناظره عجيب
    الخميس, 26 يناير 2012
    ثريا الشهري

    بعد الحرب العالمية الثانية كان المجتمع المصري في تلك الفترة يضج بالحركات المقاومة، فهناك مطلب عاجل وحاضر في الاستقلال وجلاء الانكليز، وهناك مطلب آخر وملح في القضاء على التفاوت الطبقي الاقتصادي الذي تآكلت معه الشرائح الفقيرة المكونة لغالبية الشعب في مصر، وهناك المذاهب السياسية التي اجتاحت دول العالم وأخذت أصداؤها تتردد في داخل البلاد، دع عنك معارك الجدال والصراع بين القصر والحركات السياسية الشعبية ويرأسها حزب الوفد، أو قل حزب الأغلبية حينها، فماذا عن المساجلات والمؤامرات بين الأحزاب السياسية نفسها؟ إنها قصة أخرى، وإنما ما يهمنا قوله إن اجتماع تلك العوامل قد خلق مناخاً مضطرباً وقلقاً في أوساط المجتمع المصري، فاشتد نشاط الاخوان المسلمين في مرحلة الفوضى الفكرية والسياسية والاقتصادية، ففي هذا الجو المشحون حاولت حركة الإخوان - كعادتها التي عرفت بها فيما بعد - أن تستفيد وتستثمر كافة التناقضات الموجودة في المجتمع لتحقيق وجودها وانتشارها، وهو المتعارف عليه في التجمّعات السياسية ولا غرابة فيه، فكل يجيّر الثغرات لمصلحته، أمّا أن تأتي جماعة وتستغل الطبيعة الدينية لمواطني البلد، وتعمل على إثارة الشعور الديني لأجندتها، هذه هي نقطة الخلاف، سواء مع تلك الجماعة أو مع غيرها، وهذا ما حصل مع جماعة الإخوان منذ حينها، بل منذ ألصقت صفة المسلمين بلقبها، إذ ماذا عن باقي الشعب؟

    على العموم، أصحاب هذه الجماعة منظمين في تفكيرهم واستراتيجياتهم وفي إحاطة خططهم بكل غموض ممكن، (بماذا يوحي لك هذا الغموض؟)، لذلك فلا تجدنا نبالغ إن قلنا إن تصرفهم إزاء الاضطراب القائم في داخل المجتمع كان بالانضباط والتنظيم الحديدي في داخل الجماعة، وهو ما استلزم تحرير نفوس أعضاء الجماعة من هواجسهم بوضع وتجهيز إجابات ثابتة - وإن كانت طبعاً غامضة - لكافة الأسئلة العالقة، ثم فرض القبول بتلك الإجابات فلا يكثر الأعضاء من تساؤلاتهم، بل يعوّلوا على سيرهم وراء قيادة ملهمة تعرف الهدف والوسيلة، ومن هنا يكون نجاح الإخوان دائماً، كثمرة لظروف يعيش فيها المجتمع ويعاني منها فكرياً وعقائدياً وسياسياً واقتصادياً، وبهذا المفهوم ظهرت شخصية «الخط» في الصعيد مع عصابته التي روّعت القطر، فحين ظهر خط الصعيد سنة 1948 كان المجتمع «وأعني بأجزاء مصر الواسعة» يعاني من الفقر، ومن التراجع الحضاري والاقتصادي، غير الاقطاع الزراعي وقوانين الإقطاعيين التي كانت في أحيان كثيرة فوق إرادة الدولة والمواطن، فكان من الطبيعي وهكذا بيئة أن تتشكّل حركات قُطّاع الطرق وأعمال البلطجة، بدليل أن مجتمع الوجه البحري المصري أو المعروف بـ«الدلتا» الأكثر تحضراً والأقل فقراً والأغنى في أراضيه ومساحته الزراعية من تعقيدات الصعيد الجغرافية الذي تحيط الجبال بنيله، ولا تترك له إلاّ شريطاً ضيقاً من الأرض الزراعية، هذا القطاع البحري لم تظهر به شخصية مثيرة للشغب مثل الخط.

    وليس الحديث عن الخط وعصابته لعقد المقارنة بينه وبين الإخوان المسلمين، فهناك ظروف عامة وأعمق تحكمت في ظهور الإخوان كحركة سياسية رافضة ومتمردة ولا تقارن بالخط وأغراضه، ولكن القاسم المشترك يكمن في الوضع المتردي للمجتمع والمهيأ لخلق تلك وذاك، ولو كان الشعب المصري العريق في وعيه أفضل حالاً مما هو عليه، لما انتخب اليوم جماعة الإخوان وجعلهم المتحكمين بمجلسه وقراراته، فنتائج الفهم الصحيح والاطلاع المحيط ما هما سوى افراز لثقافة عامة «متراكمة» غير مسطّحة، وقد أشار العقاد بوعي جيله الناضج إلى حيرته في أمر تلك الجماعة التي أسماها بـ»الخَوان»، عندما لم تظهر أي عداء للانكليز في مصر ما بين سنة 1927 وسنة 1948، وإن ذُكر كلام العقاد في مقالة سابقة لكاتبة السطور، ولكن روعيت الإعادة للتذكير والإفادة، إذ يقول أديبنا الفاهم: «وأدعى إلى العجب أن الجماعة ظلت 20 سنة لا تعمل في السياسة الوطنية شيئاً على عهد الاحتلال وسطوته، فلمّا ضعفت تلك السطوة وآل الأمر للحكومات المصرية ظهر نشاطها وتعاقبت أحداثها، فراحت تحارب هذه الوزارة وتهادن تلك، ولا للمبادئ ولا للدين وإنما خصوماتها للأحزاب والوزارات»، وإن غداً لناظره عجيب.

    [email protected]

أرسل إلى صديق تعليق
تصغير الخط تكبير الخط

تعليقات

إن غداً لناظره عجيب

أنا أقول لو يتركون الأمم المتحده تنظمهم أفضل من هالفوضه .
تحياتي للكاتبة.
......

اضف تعليق

بريدك الإلكتروني لن يظهر علناً احتراماً للخصوصية