أرسل إلى صديق تعليق
تصغير الخط تكبير الخط
  • الرمز والجمهور: أيهما يقود الآخر؟
    الجمعة, 10 فبراير 2012
    سامي الماجد

    قال لصاحبه وهو يحاوره بحسرة لم يسرّها في نفسه: يا حسرتا على فلانٍ ذاك الرمز المشهور، كيف تنكب على المنهج، وحاد عن الطريق، وتنكر لجمهوره العريض، وانسلخ من فِكرهم، فلبس غير لبوسهم، وتولى غير منهجهم...أنسي أفضالهم عليه؟ أوَلا يذكر أنه لولاهم ـ بعد الله ـ لما كان رمزاً يصدر الناس عنه، يلوون له أعناقهم ويصيخون له أسماعهم؟! أوَلا يذكر أنهم هم الذين أشهروه وصدَّروه، ولولاهم لظل مغموراً لا يكاد يُلتفت له ؟ أولم تكن لهم عليه يدٌ في نشر فكره ونتاجه تستحق العرفان؟

    قال له صاحبه: هذا المعروف الذي تدّعيه للجماهير على صاحبنا لا يسلّم كله، صحيح أن الله يقول: «ولا تنسوا الفضل بينكم» ؛ لكن لا يسوغ لك أن تحسب فضل عقل المرء عليه من فضل الآخرين، وأعني بهذا أن الذي صدّره وصنع منه عَلَماً يُتَّبع لم يكن هو الجمهور الذي تعنيه، بل كان مؤهلات شهرته وجماهيريته واجتماعِ الناس حوله وتتبعهم لجديد نتاجه هي تميز خطابه وسعة فكره، إن عقلك ـ أخي ـ هو الذي يصدرك أو يجعلك في غمار الناس.

    وأما ما يُسلَّم لك من فضلهم على هذا الرمز، فهل ترى من التنكر لفضلهم هذا أن صار على غير رأيهم ؟ إن الفضل والإحسان ـ أخي ـ خُلقٌ يجُازى بخُلق، إن جزاء إحسانهم أن يجازيهم بإحسان في المخالقة...ببشر المحيا وحسن المنطق والتودد، وغير ذلك مما هو محسوب من حسن الخلق، أما أن يجازي إحسانهم بأن يتابعهم على فكرهم ولغة خطابهم، فما هذا من مجازاة الإحسان بالإحسان في كل عقل قويم، وإن شئت أن تسميه فلا يصح ألا أن تسميه تملقاً ونفاقاً وتقليداً أعمى وكفراناً لنعمة الله العقل ، التي من أبلغ شكرها أن تُعمله لا أن تهمله وتجعله أسيراً لتقليد أعمى.

    الأول ـ مقاطعاً ـ : عفواً أخي! ها أنت تأتي على سيرة التقليد الأعمى، فهل تريدني أن أكون مطواعاً لانحناءات منهجه وتغير خطابه، وأن أجعل عقلي مسخاً من عقله، فأتبعه بتقليد أعمى من أجل أنه قد سبق مني إتباع وإعجابٌ بقديم منهجه؟ الآخر: وهل طالبتك بهذا؟ كن مستقلاً بعقلك، فهذا حقك؛ ولكن لماذا لا تحتمل من هذا الرمز أن يخالف منهجك بعد موافقة، وأن يغايرك في لغة خطابك بعد مطابقة؟ لماذا كل هذا الكره بعد كل ذاك الحب الأعمى؟ إن المسألة ـ أخي ـ تأخذ بنا إلى مسار آخر ... إلى مكاشفة صريحة لحقيقة تتعامى عنها، أو تحاول إخفاءها، إن هذا التحول منك من أبلغ الحب لذاك الرمز إلى أبلغ البغض يدل على أن إعجابك ـ السابق ـ بفِكره، وثناءَك البالغ لذكاء عقله، إنما كان لأنه وافق هوىً في نفسك، فصارت مشاعرك ومواقفك تبعاً لهواك، وإلا فأين رجاحة عقله ونضج فكره الذي كنت تطريه إطراء مسرفاً؟

    ولا أرى هذا الهوى منك يقل درجةً عن هوى الذين يتبعون ذاك الرمز حيث سار بهم، ويقلدونه من غير روية وإعمال عقل ونظرٍ في الدليل. ثم هاهنا أمر آخر: إذا كان لك هذا العقل الحصيف الناقد البصير، الذي تراه يؤهلك لانتقاد ذاك الرمز، بل وتوجيهه وتسييره الوجهة الصحيحة التي تراها تأخذ بالأمة إلى حيث عزها ورفعتها، فلماذا لا تقدم نفسك رمزاً بديلاً عنه؟ لماذا لا تضحي تضحياته ما دمت بمؤهلاتٍ لا تبعد كثيراً عن مؤهلاته؟ أليس من اللؤم والجبن أن تحمل غيرك على تبعات منهجٍ لم تحتملها أنت، ولا تريد أن تكلف نفسك عناء احتمالها؟ إن لك ثقةً في عقلك تجعلنا نطالبك أن تنزل للساحة لتعمل بما كان يعجبك من المنهج الذي تريد أن تمليه على هذا الرمز أو ذاك. لماذا لا يُصدِّرك الجمهور بديلاً عنه؟ ألا يثق فيك وفي عقلك ليصدِّرك قائداً موجِّهاً؛ لا سيما بعد أن أظهرت كل هذا التحسر على إحسان الجمهور على ذاك الرمز بعد أن تنكر لهم اليوم؟!

    [email protected]

    الرمز والجمهور: أيهما يقود الآخر؟

    سامي الماجد

    < قال لصاحبه وهو يحاوره بحسرة لم يسرّها في نفسه: يا حسرتا على فلانٍ ذاك الرمز المشهور، كيف تنكب على المنهج، وحاد عن الطريق، وتنكر لجمهوره العريض، وانسلخ من فِكرهم، فلبس غير لبوسهم، وتولى غير منهجهم...أنسي أفضالهم عليه؟ أوَلا يذكر أنه لولاهم ـ بعد الله ـ لما كان رمزاً يصدر الناس عنه، يلوون له أعناقهم ويصيخون له أسماعهم؟! أوَلا يذكر أنهم هم الذين أشهروه وصدَّروه، ولولاهم لظل مغموراً لا يكاد يُلتفت له ؟ أولم تكن لهم عليه يدٌ في نشر فكره ونتاجه تستحق العرفان؟

    قال له صاحبه: هذا المعروف الذي تدّعيه للجماهير على صاحبنا لا يسلّم كله، صحيح أن الله يقول: «ولا تنسوا الفضل بينكم» ؛ لكن لا يسوغ لك أن تحسب فضل عقل المرء عليه من فضل الآخرين، وأعني بهذا أن الذي صدّره وصنع منه عَلَماً يُتَّبع لم يكن هو الجمهور الذي تعنيه، بل كان مؤهلات شهرته وجماهيريته واجتماعِ الناس حوله وتتبعهم لجديد نتاجه هي تميز خطابه وسعة فكره، إن عقلك ـ أخي ـ هو الذي يصدرك أو يجعلك في غمار الناس.

    وأما ما يُسلَّم لك من فضلهم على هذا الرمز، فهل ترى من التنكر لفضلهم هذا أن صار على غير رأيهم ؟ إن الفضل والإحسان ـ أخي ـ خُلقٌ يجُازى بخُلق، إن جزاء إحسانهم أن يجازيهم بإحسان في المخالقة...ببشر المحيا وحسن المنطق والتودد، وغير ذلك مما هو محسوب من حسن الخلق، أما أن يجازي إحسانهم بأن يتابعهم على فكرهم ولغة خطابهم، فما هذا من مجازاة الإحسان بالإحسان في كل عقل قويم، وإن شئت أن تسميه فلا يصح ألا أن تسميه تملقاً ونفاقاً وتقليداً أعمى وكفراناً لنعمة الله العقل ، التي من أبلغ شكرها أن تُعمله لا أن تهمله وتجعله أسيراً لتقليد أعمى.

    الأول ـ مقاطعاً ـ : عفواً أخي! ها أنت تأتي على سيرة التقليد الأعمى، فهل تريدني أن أكون مطواعاً لانحناءات منهجه وتغير خطابه، وأن أجعل عقلي مسخاً من عقله، فأتبعه بتقليد أعمى من أجل أنه قد سبق مني إتباع وإعجابٌ بقديم منهجه؟ الآخر: وهل طالبتك بهذا؟ كن مستقلاً بعقلك، فهذا حقك؛ ولكن لماذا لا تحتمل من هذا الرمز أن يخالف منهجك بعد موافقة، وأن يغايرك في لغة خطابك بعد مطابقة؟ لماذا كل هذا الكره بعد كل ذاك الحب الأعمى؟ إن المسألة ـ أخي ـ تأخذ بنا إلى مسار آخر ... إلى مكاشفة صريحة لحقيقة تتعامى عنها، أو تحاول إخفاءها، إن هذا التحول منك من أبلغ الحب لذاك الرمز إلى أبلغ البغض يدل على أن إعجابك ـ السابق ـ بفِكره، وثناءَك البالغ لذكاء عقله، إنما كان لأنه وافق هوىً في نفسك، فصارت مشاعرك ومواقفك تبعاً لهواك، وإلا فأين رجاحة عقله ونضج فكره الذي كنت تطريه إطراء مسرفاً؟

    ولا أرى هذا الهوى منك يقل درجةً عن هوى الذين يتبعون ذاك الرمز حيث سار بهم، ويقلدونه من غير روية وإعمال عقل ونظرٍ في الدليل. ثم هاهنا أمر آخر: إذا كان لك هذا العقل الحصيف الناقد البصير، الذي تراه يؤهلك لانتقاد ذاك الرمز، بل وتوجيهه وتسييره الوجهة الصحيحة التي تراها تأخذ بالأمة إلى حيث عزها ورفعتها، فلماذا لا تقدم نفسك رمزاً بديلاً عنه؟ لماذا لا تضحي تضحياته ما دمت بمؤهلاتٍ لا تبعد كثيراً عن مؤهلاته؟ أليس من اللؤم والجبن أن تحمل غيرك على تبعات منهجٍ لم تحتملها أنت، ولا تريد أن تكلف نفسك عناء احتمالها؟ إن لك ثقةً في عقلك تجعلنا نطالبك أن تنزل للساحة لتعمل بما كان يعجبك من المنهج الذي تريد أن تمليه على هذا الرمز أو ذاك. لماذا لا يُصدِّرك الجمهور بديلاً عنه؟ ألا يثق فيك وفي عقلك ليصدِّرك قائداً موجِّهاً؛ لا سيما بعد أن أظهرت كل هذا التحسر على إحسان الجمهور على ذاك الرمز بعد أن تنكر لهم اليوم؟!

    [email protected]

أرسل إلى صديق تعليق
تصغير الخط تكبير الخط

اضف تعليق

بريدك الإلكتروني لن يظهر علناً احتراماً للخصوصية