أرسل إلى صديق تعليق
تصغير الخط تكبير الخط
  • فوبيا الحرية
    الجمعة, 24 فبراير 2012
    سامي الماجد

    الإنسان عدو ما يجهل، فمن جهل شيئاً عاداه، حتى الحرية التي فيها كرامته ومتنفسه وقوته التي يستعين بها - بعد عون الله - على استرداد حقوقه والدفاع عنها، سيعاديها حتماً ما دام لم يرَ منها ولم يتعرف إلا على جانبها المظلم: الحرية المطلقة من أي قيد، حرية التطاول على المقدس، والسخرية بشعائر الدين.. حرية العربدة والفحش والمجون... فصار يعاديها معاداته لكل كفر أو تجديف في الدين. حكم على نفسه بالذلة والمسكنة يوم مد يديه كلتيهما مشاركاً في سد ذرائع الحرية، وإغلاق بابها، لسان حاله يقول: عليَّ وعلى أعدائي، فعوقب بالذلة والمسكنة، والخنوع والمهانة، يستجدي كرامته وحقوقه استجداءً كالمتسول يتلقف يدَ المعطي ولو بمَنٍّ، ويقبلها تقبيلاً.

    لا تظن أنك ستشعر بكرامتك وإنسانيتك وأنت مُصادَر الحرية، تعاديها وتزهد فيها، ومن الجهل أن تظن أن الإسلام أهمل الحرية، أو جعلها مطلباً كمالياً، فضلاً أن يُظن به أنه يعاديها معاداته لكل ما هو مذموم مرذول. ربما ذهل هؤلاء أن الإسلام قد حث على عتق الرقبة في أوائل ما نزل من آي التنزيل الحكيم، قبل فرض الصلاة والصيام... (فلا اقتحم العقبة، وما أدراك ما العقبة، فك رقبة)، وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يفاوض قريشاً على أن يخلوا بينه وبين الناس، أن يتركوا له وللناس الحرية، هو في تبليغ دعوته، والناس في سماعها واتباعها، وعمر - رضي الله عنه - يقول قولته الشهيرة: «متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً»، بل شأن الحرية في الإسلام أكبر من هذا وذاك، فالحرية حقٌ لا يُصادر حتى في أمر الدخول في الإسلام، نجد هذا في آيتين من كتاب الله محكمتين غير منسوختين، في قوله تعالى (لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي)، وفي قوله سبحانه: (ولو شاء ربك لآمن مَن في الأرض كلهم جميعاً أفأنت تُكرِه الناس حتى يكونوا مؤمنين). فأي تقدير لحق الحرية أعظم من هذا؟ إن هذا ليدل في أصرح دلالة على أن الأصل الحرية، فأي تقييد لها يجب أن يكون بدليل نقلي أو عقلي يوازن بين المصلحة والمفسدة.

    وكما لا يجوز أن تصادر حرية اختيار الدخول في الإسلام، فلا يجوز أن تصادر الحرية في ما دون ذلك جملة واحدة سداً للذريعة. ولو أعملنا قاعدة سد الذرائع هنا كما أعملناها في مسائل أخرى، لوجب أن نجرِّم ونمنع مصادرة الحرية وتضييقَ دائرتها سداً لذريعة الاستبداد والفساد والتضييق على كلمة الحق أن يُصدع بها، فهذه الذريعة أولى أن تُسد من ذرائع كثيرة نتوهمها في ممارسة حق الحرية. يجب أن نستصحب هنا أن الحرية «حقٌ محض» وليس «ترفاً» أو «فضلاً» يُمنح كما تُمنح الهبات والصدقات، هي حق كحق الحياة، والأمن، والسكن، والكسب.. إلخ إني أتفهم منك أيها الفاضل، موقفك المستريب من صوت المطالبة بالحرية، وفتور حماسك في الاستجابة لدعواتها، أتفهم منك ذلك، لكني لا أعذرك مطلقاً، لأنك - وأنت أقوى استحضاراً لنصوص الوحي مني - تدرك مكانة الحرية من الإسلام لو أزلت ما ران على صورة الحرية في فكرك من غشاوة وقتر. إني أتفهم منك هذا الموقف المستريب الحذِر، بل والمعادي أحياناً لصوت الحرية، لأنك لم تَر منها إلا الصورة السيئة، ولم يفتح منها إلا الباب الذي ننكره جميعاً وولجت منه صور من الشر والفساد، لكني لا أعذرك لأنك - لو تأملت أدنى تأمل - لوجدت أن للحرية أبواباً للخير أوسع من ذلك الباب، ولو جربتها كما هي حقاً مشاعاً بين الناس لأدركت أن الحرية أقوى سلاح وأمضاه لصوت الحق، ولو خُلي بين الحق والناس لشاع وذاع وانصاعوا له مذعنين، وأما الباطل فيزهقه منطق الحق، و(أما الزبد فيذهب جفاءً وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض، كذلك يضرب الله الأمثال).

    وها أنت ترى كيف أصبح لصوت الحق من الأثر والانتشار ومدافعة الباطل بالحجة لما فُتح للناس نافذة يتنفسون من خلالها عبق الحرية وأشواقها، كما هو الشأن في شبكات التواصل الاجتماعي، والقنوات الشخصية في الـ«يوتيوب» وغيره، فإذا كان هذا شأن الحق والخطاب السوي ولما يفتح من الحرية إلا نافذة ضيقة في عالم افتراضي، فكيف لو فتحت أبوابها في عالمنا الواقعي؟!

    تذكر وأنت تستعدي الحرية وتماري فيها أن شيخك ابن تيمية كان ضحية الاستبداد الفقهي ومصادرة الحرية، حين قال قولاً خالف فيه المشهور من المذاهب الأربعة في مسائل يسع فيها الخلاف، وما أدخله السجن إلا أولئك المصادرون لحق الحرية. غريب منك أن تخشى على الحق صولة الباطل لو فتح باب الحرية، فأين ثقتك بقوة الحق وحجته البالغة؟! إن الباطل الذي تخشى صولته لو فتح باب الحرية لا يمكن أن يسكت عنه مجتمع محافظ مؤمن بفطرته، فالحرية حتماً ستكون مقيدة دونه لا تتسع له دائرتها، وإذا كانت الحرية مقيدة حتى في الدول الغربية، فكيف ستكون في مجتمع إسلامي محافظ؟! أما ما دون ذلك مما تراه أنت باطلاً وغيرك يراه حقاً مما ليس فيه دليل قطعي محكم فليس لك الحق أن تصادره، أم تريدها حريةً مفصَّلةً على ذوقك وصبغة فكرك؟! إنها إذن لحرية مزيفة مختطفة. وأخيراً، فإن الإفراط في الحرية كالغلو في الدين، فهل رأيت عاقلاً يكره الدين لغلو بعضهم فيه؟! لا تعادي الحرية فربما وجدت في ظلالها كرامتك المنتزعة؟!

    * أكاديمي في الشريعة.

    [email protected]

    @ samialmajed

أرسل إلى صديق تعليق
تصغير الخط تكبير الخط

تعليقات

فوبيا الحرية

لن تسطيع امة الانتصار للحق و الثبات عليها و أن تكون خير أمة اخرجت للناس.... الا باسترجاع حريتها كاملة غير منقوصة ... حرية الافراد و الجماعات .... يجب أن تكون حرة أبيه حتى يضرب بها المثل بين الامم ....... و الا كيف تكون شاهده على الأمم في الدنيا و الآخرة.....!!!

اضف تعليق

بريدك الإلكتروني لن يظهر علناً احتراماً للخصوصية