أرسل إلى صديق تعليق
تصغير الخط تكبير الخط
  • «من ضمن المعازيم»
    الأحد, 11 مارس 2012
    ثريا الشهري

    نفت وزارة الدفاع السعودية بشكل صريح صحة الحوار المزعوم الذي نشره الصحافي الجارالله في صحيفة «السياسة» الكويتية والذي ادّعى أنه أجراه مع وزير الدفاع الأمير سلمان بن عبدالعزيز، وعند تقصّي خبايا الموضوع، لم يزد الأمر على عادة الأمير سلمان في استقباله المواطنين، كمناسبة أسبوعية تتخللها بعض الأحاديث المختلفة والمتنوعة، كان الصحافي الكويتي في أثنائها جالساً على أحد المقاعد كغيره ممن حضر، ولكنه زاد على الجمع في خروجه بالحوار، وكأن ما سمعه قد قيل له شخصياً، هذا إذا افترضنا صحة المنشور أصلاً!!

    وهنا يكون الأستاذ قد وقع في أكثر من سقطة، أولها وكانت مع أمانات المجالس التي لم يراع احترامه قانونها غير المكتوب، فلو تلفت كل مسؤول يمنة وشمالاً قبل كل جملة وعقب كل رأي ليقول: «ليس للنشر»، لآثر الصمت أو الإحجام عن التعبير من الأساس، ولكن لأن العُرف جرى أن ما للنشر له أصوله ومواعيده بلقاءات محددة سلفاً، لذا تجد المسؤول يجري حواراته وسجالاته في مجالسه دونما حاجة إلى تنبيه الحاضرين إلى شيء، وقد يتناقلون ما سمعوا فيما بينهم وبين معارفهم وهذا شأنهم، أمّا أن ينشر إعلامياً بشكل رسمي وعلى لسان المسؤول وكأنه من أدلى به للوسيلة الإعلامية، فهو خرق لأبسط قواعد المهنة الصحفية، وعلى من يفعلها أن يتحمل عواقب جرأته غير المهنية.

    أمّا السقطة الثانية وتدعو العارفين إلى الابتسام لهذه الفبركة غير الذكية، فهي أن الصحافي قد صال وجال سنوات عمره وهو ينمق في أحاديث وحوارات مع كبار المسؤولين، وكانت تمر ويبلعها القارئ فتتضاعف أعداد التوزيع، وكله على حساب المسؤول (أو قل بفضله) الذي لم يرَ غضاضة في تكذيب الحوار، بخاصة أنه لم يأتِ بما يوجب التكذيب، فالكلام في العموميات، والصحافي كان «من ضمن المعازيم»، حتى وإن زودها بعبارة «يا أخ أحمد»، كإحدى مكملات الفبركة، لكن أن يستمرئها مع الأمير سلمان بن عبدالعزيز، فماذا نقول غير: «لك يوم يا مفبرك!»، أو كما علق أحدهم: «يعني ما جيت تعملها إلا مع سلمان بن عبدالعزيز!!!»، فالمعروف عن الأمير سلمان أنه مقلٌّ في أحاديثه الصحافية، ودقيق فيما يصدر عنه، فكيف وهذا دأب الأمير وهذه طبيعته تأتي وفي هذا الوقت العصيب لكل دول المنطقة ثم تدلي بآراء منسوبة، وإلى وزير الدفاع السعودي، وفي صميم اللعبة السياسية... هكذا بكل تجاوز؟!!

    القيم الحقيقية تطفو على السطح في لحظات الاشتباك الجاد مع الآراء والأفكار، وتغرق في حمى الدفاع عن الذات والمصالح الشخصية تلك القيم التنظيرية التي غالباً ما تكون سهلة وبراقة في مرحلة التبشير بها فقط، فالشهرة والمادة والوجاهة عند النزول إلى الساحة لها حساب آخر، وعلى العموم، فطبيعة القضايا ومدى أهميتها عادة ما تفرز أنماطاً من الحوار والجدال والسلوك قد تكون غابت عنّا وتوارت، فجاءت القضية ففجرتها وكشفتها، وهذا الصحافي كغيره من صحافيين امتهنوا الفبركة واختلاق المواضيع وتطعيمها بالواقعي والحقيقي، لإضفاء بعض الصدقية، وفي حكايات هيكل أكبر مثل، ولن يجد المفبرك أنسب من حديث يجريه على لسان الأموات، كالروايات والحوارات المدبلجة التي تظهر بعد موت أي مسؤول!

    في ظل هذا السياق الاجتماعي والسياسي والثقافي المشحون بالتوتر، والمصحوب بحالات من الشك والريبة بين الجماعات السياسية والثقافية والكتل الاجتماعية في تفسير وتحليل الاتجاهات والمجريات، في ظل هذا التشويش الكبير تاهت لدى البعض الحدود والمسافات، وتوزعت لدى آخرين الولاءات والانتماءات، وتضاربت في أحيان كثيرة الاجتهادات وتناقضت معها المنافع إلى حد المشاجرات، وعلى رغم هذا كله، يبقى على الإعلام والإعلاميين مهمة توضيح الأمور ونقلها إلى الآخرين، ولكن الأهم أن يتم النقل وتصل الرسالة بحس عال من المسؤولية المهنية والوعي الناضج بالرقابة الذاتية، وهو بالضبط ما يميّز الوسيلة الإعلامية ويرفع قدر القائمين عليها! فكل اندفاعة في توجيه الدفة، وفي صياغة الخبر والمعلومة، غير محسوبة، تعرضها لمخاطر غير محسوبة أيضاً، وبعيداً عن الاتهامات، والافتراضات بسوء النية والقصد، علينا أن نعيّن أين يقف الحد الأدنى الوطني والإقليمي فلا نتعداه، وإن اختلفنا بعدها في التفاصيل واجتهدنا في الرؤى، تظل مجرد اختلافات في وجهات النظر، لا في مواضع أقدامنا من التحديات الداخلية والخارجية.

    [email protected]

أرسل إلى صديق تعليق
تصغير الخط تكبير الخط

اضف تعليق

بريدك الإلكتروني لن يظهر علناً احتراماً للخصوصية