أرسل إلى صديق تعليق
تصغير الخط تكبير الخط
  • المثقف السعودي... وتغريب المرأة
    السبت, 17 مارس 2012
    مها الشهري *

    قرأت للكثير من الزميلات الإعلاميات والصحافيات في تعدد صور الشكوى من الوسط الثقافي، وتحرش الرجال بهن، وأثار الإعلام المرئي بعض الآراء التي استنكرت ذلك، وربما أبقت هذا السلوك الخاطئ محصوراً على «الليبرالي المثقف».

    وكون التعامل بين المرأة والرجل أمراً طبيعياً له شكلياته المتعددة، فإن موجبات الأخلاق والدين تفرض ضوابط ندركها لأجل الحفاظ عليها، وبالتالي تقيها ممن في قلبه مرض، فالاعتدال في الملبس وطريقة الحديث مطلب، وهذه الضوابط تعبر بها المرأة عن نفسها ذاتياً كقناعة وخلق وبناء شخصية، وليس بافتراض وجود من يتتبعها ويشرف عليها أينما ذهبت.

    المرأة عرضة للإيذاء والتحرش في أي مجتمع تحتك به وتتعامل معه، حتى ولو كان هذا المجتمع يتكون في العصر الحجري، وقد وصفهم القرآن الكريم بـ«المرضى»، ومن قبل التصنيف المعاصر بين الإسلامي والليبرالي، وقد يصدر سلوك التحرش ممن تنزههم قدسية الرؤية في الذهنية الاجتماعية، ويُظن بهم حفظ الفضيلة والعفاف والسعي وراء إتمامها بالوصاية والتشدد والقمع، وربما تأتي تحت الغطاء الشرعي، كما حدثت الكثير من القصص التي ثبتت على مرتكبيها، ولكنها نقطة يسهل تجاوزها دائماً في ظل تطرف الأحزاب وإقصاء الرأي الآخر، لأنها لا تخدم من يعادي التنوير، ويحارب الثقافة، ولا تسهم هذه الأحداث في عرقلة الحركة الفكرية، ولن يستفاد منها كفكرة تحتسب ضد من يرى نفسه متفوقاً على الآخر أو متحزباً ضده، ولن يستفيد أيضاً لو افتعل من ممارسيها خصوماً يرهب بهم الناس، فهؤلاء المتطرفون لا يخدمون المجتمع بشكل عادل أو هادف، ولا يدعمون وعياً له الأثر البالغ نفسه، الذي يحجمونه ويضاعفون صورته ويحاربون به بعضهم لكي يضاد أثرها الاجتماعي الضار، لذلك فالعقل الاجتماعي ينساها وكأنها لم تحدث.

    الخطأ صفة بشرية علاجها ضرورة، سواء ذاتياً أو اجتماعياً، ولكنه ليس من العقل وليس من العدل «أن نوجد لهذه الأخطاء مبرراتها ومسوغاتها عند فئة من الناس ونستخدمها شواهد ضد فئة أخرى»، فإذا أخطأ الليبرالي في تحرشه بامرأة، حتى ولو نال منها، فقد يُخطئ المتدين ويقع في الزنا، وليس منا أحد يملك حق التزكية لنفسه، إننا بذلك نكرس الجهل الذي نريد أن نتحرر منه، وألوم كثيراً على المثقف السعودي الذي يشبه صاحب المنصب المرموق ذا الواجهة المشرقة، الذي يظن أن مكانته الأنيقة تسوغ له قبولاً لأفعاله حتى ولو كانت سيئة، فيفترض بالمثقف، فضلاً عن غيره، كونه أقرب إلى المعرفة والثقافة وامتثال الأخلاق العليا وتهذيب السلوك، وأقرب إلى فهم ما توجبه عليه إنسانيته وأخلاقه ألا يظهر مخالفاً لكل هذا في شخصيته الحقيقية، بالتالي فالناس تحترمه وتظن أن ما يقوله ويتصرفه منهجياً، وربما يجد قبولاً لدى فئة من الفتيات، فالتحدث مع الشخصية المعروفة يأخذ شكلاً من أشكال الاعتزاز المنفرد عن غيره، لكن بعضاً منهم في الحقيقة ممن يقولون ما لا يفعلون، وهذا قد يجعل الإنسان أن يكون إزدواجياً ومنافقاً.

    وأتعمد في قولي «مثقف سعودي»، لأن التعبير بصفة جنسيته يشبه التعبير عن المخلوق الوحيد، والبعض يزيد من هذه الأزمة ويعمل على تعقيد إشكالاتها، وأظن أن من تعتريه هذه الحال يضيع بين أمرين:

    الأول: حرية التعبير عن أفكاره الحقيقية، فالبعض يصل إلى ما فوق الـ 40 عاماً ولا تزال مراهقته المكبوتة تسوغ أفعاله وتلاحقه بطيشها، والأمر الآخر: قيود الناس وسطوة القانون الاجتماعي، باعتبارها العامل الأقوى في الضغط النفسي والكبت، وبهذا فالتحضر الذي يكتب عنه ويصنع منه صورة فقط، لا يعبر بها أبداً عن قناعته الحقيقية، فليست إلا قشرة خاوية من القيم لا تصل إلى إنسانيته ولا تعكس شيئاً منها.

    وعلى هذا فقد عاش الكثير على اختلافهم في هذه البيئة الصحراوية بين البداوة والقرى بسلام، وكانوا أقرب إلى إنسانيتهم من حالنا اليوم الذي نعيشه بين غابات الأسمنت، وفرضت قيود الحضارة الشكلية وعاكس «التحفظ» طبيعة الإنسان، وعمل على كبته وحرمانه من حياته الطبيعية، وبالتالي نتجت لنا صور تعادي الحضارة من حالات الاغتراب النفسي، فإن ذهنية المجتمع على اختلاف الثقافات متقاربة تحت تعبير «الانسان السعودي» الذي ينفرد بالغرائب والانتهازية، فقد خلقوا في هذه البيئة، وعملت ظروفها المتصحرة على تشكيل طبائعهم.

    إن التوجس والارتياب لدى الطرفين هو إحدى السمات التي خلفتها لنا ثقافة الانغلاق في المجتمع، وربما يصبغ على صيغة التعامل العفوي أحياناً سمات التحرش، فإن وقوف الرجل والمرأة أحياناً على مستوى عقلاني واحد لا يفصل بين معيارين أخلاقيين، ما يخلق ضبابية ذهنية بين الطرفين، سواء في التعامل أو تقويم السلوكيات، وأعني من هذا أن هناك من الأشياء المحسوبة بثقافة الواقع تعتبر خطأً، ولكنها بافتراض المثقف الواعي صائبة، وهي تماماً الحيرة بين من يبقى يحمل في ذهنيته ثقافة الواقع التي نشأ عليها، وبين من يتجرد منها، ولا نغفل الأثر السيكولوجي الناتج عن نقص المعرفة بالجنس الآخر، وهي نتيجة لمشوار العزل الطويل، وهنا تلتبس المفاهيم، فالكثير لا يرى المرأة إلا جسداً، وغالب التجارب تتكون من معرفة مجتزئة أو منقوصة، وهذه نتيجة طبيعية في مجتمعاتنا.

    الإنسان بطبيعته يمر بمراحل انتقالية من الرقي والنمو الإنساني ويتأثر بالمتغيرات والتطورات التي تمر به وفي محيطه عقلياً واجتماعياً وتفاعلياً، وبصفة النمو عملية مستمرة وشاملة ومتصلة، فالناس يتبعون نمطاً متشابهاً في السلوك، ويذكر هنا أن العلاقات الإيجابية لها دور فاعل في الارتقاء الاجتماعي، لذلك فالإنسان الإيجابي يستطيع أن يتغير وأن يسهم أيضاً في التغيير، وكل ما علينا هو العمل بالواجبات التي نعلمها وبالتالي سنرتقي.

    * كاتبة سعودية.

    [email protected]

    @alshehri_maha

أرسل إلى صديق تعليق
تصغير الخط تكبير الخط

تعليقات

المثقف السعودي... وتغريب المرأة

كلام صادق ف ما كتب له. ..مشكوره أستاذة مها.

المثقف السعودي... وتغريب المرأة

اتوقع ان الكلام كثير والمعنى في الاخر ان نعيس كما تعيش الغنم في المراعي بعفوية

المثقف السعودي... وتغريب المرأة

عزيزتي كلام جميل
ولكن آلا تلاحظين ان المرضى الذين أستشهدتي بوصفهم هم من لبسوا ثوب الثقافة المعرفه، كلامك لا غبار عليه والدليل في معرضكم الموقر حجبت الكتب التي تبني وتعمق بنا معاني الأدب الذي فقده أهل الثقافه والأدب...
ولكي لا أطيل المتشدد والليبرالي لهم نفس الشهوه والفرق
حاربها بعض المتشددين
وتسابق لها كثير من الليبراليين!
وفقك الله لكل خير وكفاك شر الجميع

المثقف السعودي... وتغريب المرأة

مقال في صميم الواقع لامسه بشده حتى تغلغل فيه . ونرجو ان يتطور الانسان والمجتمع ويرتقي او ان يعود الى سابق عصره حيث العفوية والتسامح واحترام الجميع للجميع.

المثقف السعودي... وتغريب المرأة

اوكيه.. كل الكلام ذا عارفينه .. دوران ونرجع لنفس النقطه ..
فيه مثل شعبي يقول امسكو عنزكم نمسك تيسنا
الاختلاط هو العله و الثقافه قناع و المتثقفه فريسة
و الشك لازال مادام هذا الوسط شبهه في عصرنا

المثقف السعودي... وتغريب المرأة

أختاه:
لحظه من فضلك ..!!مالذي يجعل الرجل يتحرش بالمرأة.؟
أليس الأختلاط المحرم ..أسمعي هذا المشهد:
عبَّرت إحدى الإعلاميات عن أسفها لحضور أحد احتفالات العام الماضي،(مختلط طبعا") وقالت:
تلقيت دعوة لحضور حفل العام الجديد، وفوجئت ببعض التجاوزات اللاأخلاقية، وعرض علي أحد رجال الأعمال هدية غالية الثمن دون مبرر؛ فساورتني الشكوك، وانسحبت فوراً من الحفل.؟(نشر في صحيفة سبق )
ماهو رأيك اختاه.!
ياأختي://اللبرالية دوما" ينظرون للمرأة للمتعه فقط ليس ألآ !!

المثقف السعودي... وتغريب المرأة

صباح الخير
التغيير اساسي لكل انسان يبحث عن الرقي ,,
وهو تغيير المفاهيم اولاً
تغيير السلوك تغيير التعامل ليس الرقي بحسن ونظافة المظهر كما هو دارج الآن عند الجنسين ,,
غير مبالين بالميثالية والدين والاخلاق والقيم
مما جعل الرجل ينظر الى المرأة جسديا والمرأة تنظر له ماديا منررجين تحت مفهوم ان الرقي بالمظهر

المثقف السعودي... وتغريب المرأة

مها كيفك

اضف تعليق

بريدك الإلكتروني لن يظهر علناً احتراماً للخصوصية