أرسل إلى صديق تعليق
تصغير الخط تكبير الخط
  • الوعي الاجتماعي... إلى أين؟
    الإثنين, 19 مارس 2012
    محمد الدحيم

    تختلف المجتمعات في تكونها، وفي تكومها أيضاً، هذا الاختلاف مؤثر في قراءة الوعي، ودراسة أساليبه ووسائطه.

    يهدف العلم والثقافة والإعلام إلى رفع مستوى الوعي الاجتماعي، هذا الوعي الذي يجب أن يتشكل بطريقة صحيحة، لئلا يصبح شعاراً يضاف إلى سلسلة الشعارات الزائفة، والوعي الواعي له أسسه التي يتشكل وينطلق منها، ومن أهمها:

    - مجموع المفاهيم والقيم المتداولة في حياة الناس، وكيف هي حركتها وتداولها وتطوراتها وارتباطاتها وتشكلاتها مع غيرها.

    - نظرة الناس إلى هذه المفاهيم وتفسيرهم لها، إذ لا يجوز أن تكون هذه المفاهيم إغلاقاً وإقفالاً يحملها الناس.

    - تجربة الناس الحياتية لهذه المفاهيم وتشكيل علاقاتهم وفق فهمهم لها.

    وهذا يجعلنا أمام مسؤولية مفاهيمية، فإشكالية كل شيء في مفهومه، أي أن دور المفكرين والمثقفين والمعلمين والإعلاميين يجب أن يتركز على زرع المفاهيم الصحيحة، وملاحقة هذه المفاهيم بالتطوير والتوسيع، لأجل أن تتناول مصالح الناس المتعددة والمتنوعة مع تغير الأحول وظروفها.

    إن الدور ـ لمن يقوم بعملية الوعي لا يتوقف على مجرد الإلقاء والتأليف، بل يجب قياس الصدى لهذه المفاهيم، وكيف ينظر إليها الناس ويتعاملون معها، وما تقويم تجربتهم لها؟

    إن قدرة المثقف على خلق الوعي الاجتماعي مرهون بقدر ما لديه من:

    - الشخصية المتوازنة والمنسجمة مع الطبيعة البشرية والطبيعة الحياتية.

    - المنطلقات الثقافية غير المؤدلجة، أي المنطلقات الإنسانية التي تتعدد وتتنوع في مصادرها، كما تدرك تعددية الفهم والسلوك، وتدرك طبائع المراحل وتحولات الظروف.

    لا يصح أن يتشكل الوعي الاجتماعي من خطاب أحادي ـ دينياً أو اجتماعياً أو سياسياً ـ ليتضخم جانب من وعيه على جوانب الوعي الأخرى، فماذا يعني أن يتشكل المجتمع على ثقافة اقتصادية مادية بحتة إلى درجة يرتبط فيها التخطيط بالاقتصاد في إغفال للتخطيط الاجتماعي والإنساني والعلمي! إن إنساناً سينتج من هذا الغلط لا يعرف إلا الانفصال الاجتماعي والانسداد الثقافي، ناهيك عن أزماته النفسية، وفراغاته الروحية.

    لابد أن ترتفع الروابط الاجتماعية إلى قيم ملزمة حتى نتفادى فوضى الادعاءات القيمية، وإن القيم الملزمة لا تكون إلا إنسانية المستوى، إذ يجد الناس فيها قواسمهم المشتركة من الأمن والحرية والعدالة، هذه القيم التي تمثل نقطة الالتقاء في رسالات الأنبياء (شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ).

    ومن هنا فأهم الحاجات، بل أكدت الضرورات أن يكون الوعي الاجتماعي هاجس كل أحد، سيّما الحكومات والعلماء والحكماء، الأمر الذي يدعوني لاقتراح إنشاء هيئة أهلية للوعي الاجتماعي، تمثل وحدة قياس لمراحل الوعي الاجتماعي، كما تكون مركز انسجام وتنسيق للمخرجات الاجتماعية في كل المؤسسات العامة والخاصة، لتجمع المتوزع، وتقوي الضعيف، ويكون لها الدور الفاعل في مشاركة التخطيط العام وخلق التصورات المستقبلية وفقاً للمعطيات والتحولات. إنها صدى الصوت لمجتمع التكافل والسلام والمحبة والوئام.

    إن الوعي الاجتماعي لا يهدد السياسات الواضحة، والتعدديات الناضجة، والثقافات المتنوعة، بل يدعم مسارها الصحيح، ويحمي حماها من الطائفيات المدمرة، والخلافات الخانقة، والتوجهات المنحرفة.

    لدينا الكثير من مؤسسات التنشئة، ومؤسسات التنمية الاجتماعية تحتاج إلى خلق روح من التعاون لمشروع وطني كبير، لا يمكن اختزاله برؤية جهة من دون أخرى.

    إن ما يهدر طاقة العمل الاجتماعي هو ضعف الاهتمام بدراساته، وضعف الأداء في تطبيقاته، ونحن نأمل بما لدينا من الإمكانات أن يكون لدينا شكل مختلف من القدرات، فمجتمعنا له من الأبعاد ما يؤهله لقوة فاعلة على مستويات محلية وعالمية.

    الوعي الاجتماعي إلى أين؟ ليس سؤالاً ضعيفاً أو سلبياً، وليس سؤالاً موسمياً، بل هو سؤال القوة المفتاحية الذي يجب أن نكرره كلما أردنا قياس الوعي ومعرفة مراحلة، وكلما أردنا طرح منهج إصلاحي، ذلك أن الأسئلة المفتاحية هي بداية الأجوبة الصائبة. علينا أن نتأكد أن شيئاً جميلاً ينتظرنا في حال وعينا الاجتماعي بشكل استباقي، أرجو ألا نفقد ذلك الموعود الجميل بأسباب نصنعها ونحن ندري أو لا ندري.

    [email protected]

    alduhaim@

أرسل إلى صديق تعليق
تصغير الخط تكبير الخط

تعليقات

الوعي الاجتماعي... إلى أين؟

المجتمعات القوية هي تلك التي تحمل مفاهيم وقيم متقاربة ومتجانسة ، أستطيع القول أيضاً أن القيم والمفاهيم تحكي سلوك المجتمعات وتحدِّثنا عن واقعها ! لكي يكون الوعي الاجتماعي ناضج يجب أن تكون مفاهيمه وقيمه مبنية على أساس وعلى تجربة وليس على تلقي فقط ! أضرب مثالاً هنا بقيمة وهي العفو وكيف يمكننا بناءها ؟ يحدثني والدي عن العفو وعن قيمته فترتسم صورة للعفو في ذهني ثم يعفو عني أخي أو صاحبي فأتذوق معناه فتتكون لدي قيمة ، ثم يقابلني من لا أعرف فيخطئ علي وأتصرف بناء على قيمي فأعفو عنه. هكذا يكون بناء القيم ( تلقي وتجربة )
كلما كانت القيم مبررة ومفسرّة لدى أفراد المجتمع كلما كان الوعي الاجتماعي أقوى بناياناً، حيث أن مفاهيمه واضحه وقيمه راسخه.
اقتراحك في المقال لوضع هيئة جيد و أوافقك الرأي فيه
شكرًا
( المجتمعات المترابطة اجتماعيا تكون أقوى من غيرها ، نحتاج إلى ذلك كثيراً قبل أن تعصف بنا رياح العدو)

اضف تعليق

بريدك الإلكتروني لن يظهر علناً احتراماً للخصوصية