أرسل إلى صديق تعليق
تصغير الخط تكبير الخط
  • «ابن حميد» رجل زهد في «الكراسي».. وتعلّق بـ«المقام والحرم»
    الثلاثاء, 20 مارس 2012
    الرياض – مصطفى الأنصاري

    ودّع الفقيه السعودي الشيخ الدكتور صالح بن حميد أخيراً المجلس الأعلى للقضاء، الذي لم يبرح فيه أكثر من ثلاثة أعوام، بنى فيها القواعد، وبعث المؤسسة القضائية العريقة مجدداً، لتكون محل إعجاب ونقاش وأخذ ورد.

    إلا أن منجزات المجلس في عهده، (مثل تفعيل معظم مواد النظام القضائي الجديد، والأنظمة التي سبقته من الإجراءات الجزائية، والمرافعات الشرعية، والمحاماة... ) لم تمنع اختصاصيين في الشأن القضائي، من الاستدراك على المؤسسة القضائية في عهده، واستبطاء خطوات أخرى، كما اعتاد المهتمون أن يفعلوا.

    لكن ابن حميد الذي اشتهر في فترة باكرة من ممارسته العمل الحكومي بالاقتصاد في التعاطي مع الإعلام والنقاشات الساخنة، ظل عصياً على إقحامه أو أطراف مقربة منه في السجال الذي دار فترة من الوقت بين أطراف منسوبة إلى المجلس، وأخرى إلى وزارة العدل، حول أداء الجهازين وتداخل اختصاصاتهما، فانتهت جميع تلك السجالات ولم يخض فيها بسلب أو إيجاب، كما هو دأبه في مهام له سابقة، في مجلس الشورى، ورئاسة شؤون الحرمين، وعمادة كلية الشريعة في جامعة أم القرى.

    وظل الفقيه الذي يراه محبوه أكثر ما أوتيَ بسطة في الخطابة والعلم الشرعي، مستمسكاً باستقلاله في النقاشات التي شهدتها بلاده، خصوصاً عندما يتناول قضايا تختلف فيها أوساط بعينها، حينها يعالجها من منظورها الشرعي التأصيلي، غير محاول وضعها في السياق المثير للجدل، ليس في المؤسسات الرسمية التي عمل بها فقط، ولكن أيضاً في المحاضرات العلمية والندوات الفكرية التي كثيراً ما يحل ضيفاً عليها، وكذا نقاشات المجامع الفقهية، إذ كان رئيس أهم تلك المجامع، بوصفه الذي خلف مواطنه الشيخ بكر أبو زيد في رئاسة «مجمع الفقه الإسلامي» التابع لمنظمة التعاون الإسلامي.

    برزت شخصية ابن حميد تلك «في الجنوح إلى السلم» أكثر، عندما تحدث ذات مرة عن أكثر القضايا إثارة للجدل بين الاسلاميين ونظرائهم من التيارات الأخرى، حول «علاقة الإسلام بالفن»، ويومها أعلن الفقيه بين جمع من رموز الحركات الإسلاميين والفقهاء في «الندوة العالمية للشباب الإسلامي» قبل بضعة أعوام، أن «الإسلام ليس عدواً للفن، بل يحيي الشعور بالجمال، ويؤيد الفن الجميل، ويحتفي به حين يصلح ولا يفسد، ويبني ولا يهدم»، غير أنه في الوقت نفسه لم يجد حرجاً في مصارحة الطرف الآخر بأن «الفن ليس للفن، ولكنه للأخلاق وميزان الاستقامة».

    لا يعني ذلك أن ساحة إمام الحرم، خلت في كل فصولها من نقد ومصارحة، ولكنه غالباً ما يكون ذلك - حتى وإن أتى - مغلفاً بكثير من اللطف، الذي يسهل مروره دونما أي ضجيج. وبين أكثر ذلك صراحة نقد ابن حميد للحركات الإسلامية، في فقدها «التوازن» في فعالياتها، وإهمالها لترشيد الشباب، وتركيزها على الشأن السياسي، ونقد الحكام وإبراز أخطائهم»، بينما يرى هو أن مشكلة الأمة ليست في هذا الجانب وحده، فهناك كما يسميها قضايا الأجنحة، مثل التعليم وحقوق الإنسان والبطالة، يمكن لتلك الحركات أن تجد فرصة كبيرة في إصلاحها.

    ويعتقد كثيرون أن الذي منح ابن حميد هذا القدر من الصوم الإعلامي والسجالي، هو إغناء «منبر الحرم المكي» له عن أي ظهور أو سجال، إذ اعتبر الشيخ منذ ثلاثة عقود خطيب مكة الأبرز، فهنالك يبث آراءه وأفكاره ومواعظه وتوجيهاته، وآلامه التي كثيراً ما غلبته فيستسلم للضعف أمامها، «حشرجة وبكاء»، جعلاه أقرب إلى مدمنين عليه مثل الكاتب السعودي مسفر القحطاني الذي قال مرة إن «خطبة ابن حميد مثل الدر المنتظم، يستعصي على سامعها أن يختصرها لمن فاته الإنصات لها، فكلها درر».

    أما أهل مكة الذين عرفوا خطيب الحرم وإمامه في صلاة الصبح، فإنهم يتذكرون كيف ينساب «قرآن الفجر» الحزين سلسلاً من حنجرته، فلا يبرح يتلو إلى أن يبلغ منتهاه، غير أن خطيبهم سرعان ما يبدو أكثر ضعفاً عندما يتعلق الأمر بمآسي المسلمين حتى في أيام شبابه، عندها يغدو أضعف ما يكون، خصوصاً إذا ما تذكروا «خطبه في أعياد الفطر» التي صادفت خلاف الأفغان، أو حرب البوسنة، أو نحوها. ولكن في السنوات الأخيرة يقولون: «الشيخ أدركته رقّة الكبر فلا يكاد يتماسك»!

    محبو الفقيه السعودي لا ينسون له أنه رغم فتنة المناصب التي تقلدها لم يفرّط في إمامة الحرم ومنبره ومجالسه العلمية، كما فعل فقهاء آخرون في بلاده، أخذتهم المناصب عن سيرتهم الأولى، ما اعتبر أحد المؤشرات على انحيازه إلى المهمات التقليدية كالخطابة والإمامة والتدريس وحلق المسجد الحرام، إذ اعتاد أن يخصص ما بعد الفجر لمدارسة علوم الشريعة مع قاصدي البيت الحرام أكثر أيام الأسبوع، قبل أن ينتقل إلى العاصمة السعودية بعد تعيينه رئيساً لمجلس الشورى ومن ثم رئيساً للمجلس الأعلى للقضاء.

    وإذا كان للفقيه الذي اختطفته مكة التي شغفته حباً من بريدة ميلاده، وعنيزة محلة آبائه وأجداده، من أمنية كما ينقل المقربون منه، فهي أن يبقى بجوار البيت الحرام، ساكناً، وإماماً وخطيباً ومدرساً، «عوداً على بدء». فهل الإعفاء كان تحقيقاً لتلك الأمنية؟

أرسل إلى صديق تعليق
تصغير الخط تكبير الخط

تعليقات

«ابن حميد» رجل زهد في «الكراسي».. وتعلّق بـ«المقام والحرم»

سماحة الشيخ صالح ابن حميد لم يدخل في السجال الدائر بين المجلس ووزارة العدل خلاف الطرف الاخر الذي لم يألو جهدا في الدفاع والصراع وغيرها من اساليب، فترفع الشيخ صالح عن هذة المهاترات دليل معدنة فهو سليل العلم والعلماءكما انة لا يبحث عن مجد شخصي لذا تجدة واثق الخطو لم يغيرة منصب ولا جاة وهكذا هم الكبار دائما

«ابن حميد» رجل زهد في «الكراسي».. وتعلّق بـ«المقام والحرم»

السلام عليكم نعم الشيخ كان زاهد عن الكراسي فمع تغير المسؤوليات التي أنيطت به لم يتغير منهجه الشرعي في تعاطي القضايا الشرعية ولله الحمدوهذا هو الزهد الحقيقي وليس ترك الكرسي لغير الكفؤ الذي يعيث فيها فسادا .

«ابن حميد» رجل زهد في «الكراسي».. وتعلّق بـ«المقام والحرم»

زاهد بالكرسي ؟ لم يترك الكرسي الا بعد ان اعفي شكرا.

اضف تعليق

بريدك الإلكتروني لن يظهر علناً احتراماً للخصوصية