بيروت
°22 م
°21 م
مشمس
لندن
°21 م
°11 م
زخات مطر
الرياض
°40 م
°26 م
مشمس
 
Dow Jones Industr(10340.7)
NASDAQ Composite(2609.16)
FTSE 100(5794.53)
^CASE30(0)
USD to EUR(0.752)
USD to GBP(0.632)
أرسل إلى صديق تعليق
تصغير الخط تكبير الخط
  • «حزب الله» وسياق المنطقة: هل يتحرر لبنان من محرريه؟
    الجمعة, 05 نوفمبر 2010
    عصام الخفاجي *

    من حسن حظ جيلي، أو سوئه، أنه كان شاهداً على انهيار حركات جماهيرية بدت لوهلة أرسخ من البنيان المرصوص، وعلى صعود أخرى توهمّت، وأوهمت، بأنها تبدأ التاريخ من الصفر، وأن النظر إلى صعودها وانتشارها (وانحطاطها أو انهيارها الممكنين) لا يخضع للمعايير التي تحكم النظر إلى سابقاتها.

    ففي النصف الثاني من اربعينات القرن الماضي صاغت الولايات المتحدة مكرهة استراتيجية «الاحتواء» القائمة ضمنياً على استحالة زعزعة بنيان مرصوص اسمه الاتحاد السوفياتي والحركة الشيوعية، فجلّ ما في وسع الأولى فعله إيقاف الشيوعية حيث انتصرت، أي من الصين شرقاً إلى المانيا غرباً ومنعها من التمدد إلى أبعد. لكن جيلي كان شاهداً على ظهور تشققات البناء الشيوعي والمحاولات العنيدة لترقيعه وصولاً إلى اعتراف مدوّ من قبل الحكام والمحكومين بأن السرطان كامن في صلب خلايا النظام، وأنه ما عاد هناك غير إيداعه متحف التاريخ.

    وإلى جانب الشيوعية، كان جيلي شاهداً على الشعبية الكاسحة للحركة الناصرية والقومية العربية، ومن ثم انهيارها إثر انكشاف عجزها عن تحقيق الأهداف التي بررت بها صعودها الجماهيري.

    كنز من المشاهدات يتيح للمهتم رصد حركات أتت على أعقاب ما سبقها وقدمت نفسها كمنقذ حقيقي لمجتمعاتها، وللعالم أجمع أحياناً.

    كنت في لبنان حين ظهرت حركة المحرومين، النواة الأولى التي ولدت منها حركتا الإسلام الشيعي: أمل وحزب الله. وكنت في بغداد حين تحرك حزب الدعوة الإسلامية الشيعي لأول مرة بشكل شبه علني وجوبه بقمع شرس عام 1977. بدت المنطقة الممتدة من إيران إلى لبنان حلبة صراع دموي بين حركات بعضها حاكم وأخرى خارج الحكم بهدف «كسب قلوب وعقول» الجمهور.

    لو حللنا الصراع من زاوية سياسية بحتة لتجلت لنا مفارقة لعل كثيرين سيفاجأون بها. فالخلافات في البرامج والأهداف بين الحركات السياسية في الغرب أكثر حدة بكثير مما هي عليه بين الحركات الراديكالية في المشرق. في الغرب تقف الأحزاب الداعية إلى توسيع دور الدولة في مواجهة من يريدون تقليصه، ويقف من يسعون إلى تبني سياسة خارجية ودفاعية عدوانية على طرفي نقيض مع الداعين إلى علاقات ودية مع الدول ذات النظم والسياسات المختلفة، وأنصار حرية رأس المال وخلق الحوافز له يواجهون دعاة حماية الحقوق الاجتماعية بتقييد حرية رأس المال، ومؤيدو العولمة الاقتصادية والتجارة الحرة يتناقضون مع الداعين لحماية السوق الوطنية من المنافسة الأجنبية، إلخ. أما في المشرق ومصر فكانت كل الحركات الثورية وبلا استثناء تتبارى في ادعاء قدرتها على تحقيق الأهداف ذاتها، ولكن بطريقة «أفضل من الآخرين»: بناء جيوش قوية، تعزيز دور الدولة في المجتمعات وتوسيعه، مقاتلة العدو الإسرائيلي، بناء نظام سياسي مغاير للنموذج الغربي، إعلاء المصلحة العليا التي تحددها السلطة غير المنتخبة على مصلحة الفرد الذي، إن سمح له بالانتخاب، «قد لا يختار مصلحته الحقيقية».

    ومع هذا شن عبد الناصر والبعث حملات دموية ضد الإسلاميين والشيوعيين. وطارد البعثيون الناصريين والناصريون البعثيين. وحيثما كان السلاح في أيدي الجميع، كما حال الفلسطينيين في لبنان حتى 1982، كانت المنظمات تتوالد من رحم بعضها معلنة الحرب على الآخرين الأقل حزماً في قتال العدو. أما الإسلاميون، فكان أسلوبهم المفضل قبل وصولهم إلى السلطة اغتيال منافسيهم والتفجيرات الهادفة لإرهاب الخصوم، وحيثما استلموا السلطة تحولوا جلادين لجلاديهم السابقين.

    ولكي تعبئ أنصارها وتجذب مزيداً من الأتباع، أحالت تلك الحركات برامجها السياسية إلى قضية ثانوية. ولكي تبرز أو تفتعل تميزها عما عداها، ركزت على الهدف النهائي الذي أعلنت هي نفسها أنه لن يتحقق إلا في أمد شديد البعد: بسط الحكم الإسلامي على كل مسلمي الأرض، وربما فرضه على غيرهم، أو بناء دولة عربية واحدة من المحيط إلى الخليج، أو إقامة سلطة العمال على الأرض.

    وقد أثبتت هذه الوسيلة نجاحها الفائق في شل الأتباع عن التساؤل إن كان ثمة فارق حقيقي بين النظام الناصري في مصر والبعثي في العراق والإسلامي في إيران. فلو أثرت هذا التماثل على إسلامي لاستشاط غضباً من مقارنة نظامه بحكم «الطاغوت» العلماني أو الإلحادي، ولسخر القومي والبعثي من سلطة «العمائم»، ولتفنن الشيوعي في إبراز «المحتوى البورجوازي» لنظم خصومه.

    سيكون تحليلنا مبتذلاً لو صور نجاح حركة سياسية ما في كسب شعبية واسعة كمؤامرة معدة سلفاً لشراء ولاء الجمهور أو لتزوير وعيه، أو كسلسلة من العمليات الدموية التي تصفي القوى الأخرى. فالقادة المؤسسون للحركات الثورية يلتهبون حماسة لتحقيق هدفهم بشتى الوسائل: يتصيدون الأموال حتى بوسائل أو من مصادر يقرون بعدم نزاهتها لأن سمو أهدافهم لا يتيح لهم الانتظار. ويقدمون خدمات أو يحققون إنجازات. ومع كل إنجاز يتزايد تسلطهم على جمهورهم ويتضاءل اعتراض أنصارهم، إن وجد أصلاً، على دمويتهم في مطاردة الخصوم، إذ سيصور ذلك كله ثمناً ضرورياً لتحقيق الإنجازات.

    لا أود مما سبق زعم صياغة قانون جبري عن علاقة طردية بين إنجازات الحركات الثورية وبين تزايد استبدادها ومن ثم انكسارها، إذ تبالغ في تقدير قوتها أو في تخيل أنها لا تقل ضرورة عن الماء والهواء لمجتمعاتها.

    وفقاً لمؤرخين موضوعيين، ساد شعور باليتم أوساطَ الروس حين توفي ستالين بعد ثلاثين عاماً في الحكم. نسي الناس لفترة الجرائم الوحشية التي ارتكبها بحقهم، لأنها صُورت ثمناً ضرورياً لتحقيق قفزات هائلة في عهده. وتطلب الأمر ثلاثين عاماً أخرى ليتدرج الناس من إدانة ستالين كشخص إلى إدانة النظام كله حين تبينت هشاشة الأسس التي بات يستند إليها.

    لكنْ على ثوريي منطقتنا أن يحسدوا مآل النظام السوفياتي. لقد حقق عبد الناصر إنجازات لاشك فيها خلال فترة حكمه. والثورة التي ظلت في حدود مصر اكتسبت بعداً عربياً إثر انتصاره على العدوان الثلاثي عام 1956. وكان الثمن الذي صور ضرورياً تكميم أفواهه المصريين. غير أن هشاشة النظام تكشفت بعد عام واحد من الإعلانات المدوية عن الإطلاق الناجح لصاروخي الظافر والقاهر المصريين. فإذا بإسرائيل تجتاح سيناء في ستة ايام. وإذا بالشباب الذي كان عماد حكمه يثور عليه في احتجاجات لا سابق لها منذ العهد الملكي.

    وحقق نظام البعث في العراق إنجازات مهمة للعراقيين مقابل تكميم أشد بشاعة للأفواه. لكن مشروعيته الآيديولوجية تعرضت لضربة قاتلة بعد عام واحد من مسرحيات ظهور صدام حسين على الشاشات ممسكاً بيده صواعق نووية، ومن التهويل بخطر خامس أكبر جيش في العالم، فإذا بالقائد يعلن استسلام هذا الجيش بعد حرب برية لم تدم أسبوعين، وإذا بالإذلال يطلق انتفاضة شعبية كادت تسقط النظام.

    تحضرني هذه الأمثلة وغيرها وأنا أتابع منذ زمن، مثل كثيرين، حالة حركة ثورية أقل شأناً بكثير: حزب الله.

    خرج الحزب منتشياً إثر تحريره جنوب لبنان، وازدادت شعبيته متجاوزة حدود لبنان. ومنذ ذلك الحين، وبشكل أكثر دقة منذ حرب 2006، لم يعد التغير الجذري في خطاب الحزب وممارساته تجاه القوى الأخرى يخفى على أي متابع جاد. لغة ظافرة تقول للآخرين أن حجمي، وإن لم أحقق أغلبية، غير حجمكم، لأنني مقاوم: لغة تذكّر بشعار «لا صوت يعلو فوق صوت المعركة» لإرهاب الخصوم ولإحكام التسلط، لا للمضي في المعركة، لغة تستعيض عن المعركة بالمعارك الإعلامية التخديرية التي كان حزب الله يتحاشاها في أيام حكمته. وليس غير خدر القادة وسعيهم للتخدير ما يفسر تعليق نائب السيد نصر الله قبل اشهر على مناورات قامت بها إسرائيل لتدريب مواطنيها في حال تعرضوا لهجوم، بأن الإسرائيليين يفرون مثل الجرذان إلى الجحور خوفاً من حزبه، فيما كانت إسرائيل تحقق هدفاً مزدوجاً من وراء هذه المناورات: التصرف كدولة مسؤولة تهتم بمواطنيها (ولا تعتبر فناءهم ثمناً ضرورياً للمعركة) وتعبئة الرأي العام باعتبارها تتعرض لعدوان خارجي.

    وليس غير من أسكره الظفر من يريد من الناس أن تنسى أن إسرائيل دولة نووية تقف وراءها قوى نووية، ليعلن، مثلما أعلن صدام حسين من قبل، أن صواريخه ستحرق نصف إسرائيل.

    لقد قيل الكثير عن كيفية مساهمة إسرائيل في صنع الطغاة في منطقتنا، وذهب بعض الساخرين إلى ضرورة أن يوجه لها الطغاة الشكر. ولكن إن صح هذا التقدير، فلا بد من إكماله بالقول إن عنترياتهم تجاهها واستخدامهم لها كمبرر لاستباحة القوانين وكرامة البشر كانت وراء انهيارهم المدوي.

    المفجع في الأمر، أن تلك الإنهيارات تحدث في الغالب فوق بحر من الدماء يتجاوز ضحاياه ابناء الحركة المنهارة، وليس اللبنانيون بحاجة إلى من يعطيهم دروساً في ذلك!

    * كاتب وباحث عراقي

أرسل إلى صديق تعليق
تصغير الخط تكبير الخط

تعليقات

«حزب الله» وسياق المنطقة: هل يتحرر لبنان من محرريه؟

لفت نظر الاستاذ عصام ان حزب الله لم يكن يوما ميليشيا متسلطة ولا طماعا بخيرات الناس ولم يبتز احدا ولم يؤذ انسانا ولم يشترك بالحرب الاهلية البغيضة .اثناء التحريرعام2000 دخل الى المنطقة المحررة ولم يقتل عميلا ولم يهدم منزلا سلم العملاء للدولة والقضاء وهذا اكسبه احترام اللبنانيين جميعا .ماذا تفعل يا استاذ عصام اذا اعترف فيلتمان امام الكونغرس انه انفق 500 مليون دولار للدعاية ضد حزب الله.هل سأل احد اين انفقت هذه الاموال ؟البلد يعج بالتحريض واطلاق الشائعات والاخبار الكاذبة ولجنة التحقيق الدولية تجهد منذ سنتين لتلفيق تهمة لعناصر من الحزب بواسطة الالاعيب التقنية ولم توفق بعد .القول بان حزب الله يريد ان يحكم البلد خطأ لانهم يدركون ان حكم لبنان لا يكون الا توافقيا ويمارسون ذلك.القول بالخطر الايراني مردود هات دعما عربيا للمقاومة ضد اسرائيل واعطيك تراجعا ايرانيا.

اضف تعليق

بريدك الإلكتروني لن يظهر علناً احتراماً للخصوصية