بيروت
°22 م
°21 م
مشمس
لندن
°21 م
°11 م
زخات مطر
الرياض
°40 م
°26 م
مشمس
 
Dow Jones Industr(10340.7)
NASDAQ Composite(2686.15)
FTSE 100(5527.16)
^CASE30(0)
USD to EUR(0.7251)
USD to GBP(0.6239)
أرسل إلى صديق تعليق
تصغير الخط تكبير الخط
  • غرائب اللبنانيين في جهلهم
    الإثنين, 24 يناير 2011
    محمد غندور

    عجيب أمر اللبنانيين، وكأنهم متفقون دوماً على استغراب كل شيء، باستثناء ما يحدث في بلدهم. في نهائيات كأس العالم لكرة القدم، يتوزعون على الفرق المشاركة، بيد أن تشجيعهم لها يتخطى كونه جلسة صراخ وهتاف ينتهيان بانتهاء "الماتش"، ليصبح تعصباً أشبه بالتعصب الطائفي. فمشجعو ألمانيا مثلاً، يرفعون أعلامها ويلوّنون سياراتهم بألوانها، ويُلبسون أحد المباني ملصقاً عملاقاً للمنتخب، ما يجعل المرء يعتقد أن أحد أبناء الحي لاعب في المنتخب الألماني.

    الغريب في الأمر، أنك أذا أهنت أحد أعضاء المنتخب الالماني، عرضياً بحضور مشجع متعصب، تُعتبر كأنك أهنت أعراضه أو شتمته، فيتأهب مدافعاً معارضاً محللاً وربما ضارباً من تكلم. ولو أنه (وكثيرين من مواطنيه) يغارون على بلدهم كغيرتهم على منتخباتهم المفضّلة، لكنا تفادينا حرباً أهلية... والله أعلم.

    يتحمس اللبنانيون كثيراً للتظاهرات في الجزائر وتونس والأردن، بعضهم يتمنى المشاركة فيها، وبعضهم الآخر يتحمس في مكانه. ومن شدة الحماسة تتشكل جماعات وتنزل الى الشارع حاملة الأعلام التونسية، ملوحة بها، مرددة عبارات عن سقوط الديكتاتور بن علي. فعلاً غريب أمر اللبنانيين، والأغرب أفعالهم وتصرفاتهم.

    يهبون لنصرة غزّة، وينزلون الى الشوارع هاتفين ضد اسرائيل متمنيين الموت لها. ويفرحون لانتخاب باراك أوباما كأول رئيس أسود للولايات المتحدة. يحزنون على رحيل ملك البوب مايكل جاكسون وينظمون مسيرات شموع لترقد روحه بسلام وطمأنينة.

    يكتب عدد من المثقفين اللبنانيين عن ثورة الياسمين في تونس وعن جسد الشاب التونسي الذي أحرق نفسه لتشتعل الثورة. ويستغرب اللبنانيون ارتفاع الأسعار في لندن وباريس ونيويورك، كما يستغربون أيضاً كيف يعيش الهندي بأقل من دولار يومياً. يستغربون الكثافة السكانية في الصين، والبرد في موسكو، والتطور في اليابان، والفيضانات في أستراليا، وارتفاع درجات الحرارة في دول الخليج، وحفلة روك في طهران، وإنسان يعض كلباً في نيجيريا، وفوز قطر باستضافة نهائيات كأس العالم لكرة القدم في 2022، وانقسام السودان، والحالة الاقتصادية المزرية في اليونان، والمجاعة في الصومال، وحجم أفعى الأناكوندا على شاشة "ناشونال جيوغرافيك"، وزحمة السير في دبي، وذوبان الجليد في القطبين الشمالي والجنوبي، وانقراض بعض الكائنات الحية.

    يستغرب اللبناني كل ما يجري في العالم من أزمات وأفراح وأحزان وحروب، ولا يستغرب أوضاعه المزرية. لا يستغرب اللبناني الارتفاع الجنوني لأسعار المحروقات، والضريبة العالية التي تفرضها الدولة عليها.

    وعلى رغم ذلك، تبقى الطرقات تعج بأفخر أنواع السيارات وأجودها وأحدثها صنعاً. لا يستغرب اللبناني ارتفاع أسعار اللحم والخضار والفاكهة والاحتياجات الاساسية للمنزل. لا يستغرب الضرائب التي يدفعها مقابل لا شيء. لا يستغرب اللبناني الانقطاع المستمر للكهرباء والمياه. لا يستغرب أن الدين العام في نمو متواصل، ولا يستغرب أيضا جهله في "تبخّر" أموال أو عَلامَ تُصرف أو في عدم تقديم موازنة منذ سنوات.

    يستغرب اللبناني كل ما يحصل في العالم ولا يستغرب أنه يدفع رسوم ميكانيك سيارته، ولكن الطرقات لا تزال عاطلة منذ سنين. لا يستغرب اللبناني البطالة المحقِدة، أو عدد الشبان الذي يتركون البلد بحثاً عن الكرامة في بادئ الأمر، ومن ثم عن لقمة العيش.

    يستغرب اللبناني الفيضانات في استراليا، ويجهل أن الجفاف سيبتلع بلده قريباً. لا يستغرب اللبناني الطبقة السياسية الفاسدة التي تحكمه، وتتولى التفكير عنه وأخذ القرارات، ولا يستنكر المحسوبيات في التوظيف مثلا أو إنجاز المعاملات.

    لا يستغرب دفع مبلغ كبير لتسريع معاملة في إحدى الدوائر الحكومية، فهذا الفعل بات عُرفاً. لا يستغرب اللبناني تخلف نظام الاتصالات في البلد، والمبلغ الكبير الواجب دفعه مثلاً للحصول على خدمة "بلاكبيري" الرمزية، مقارنة مع دول عربية أو أجنبية. لم لا يستغرب اللبناني ابتعاد الدولة عن دعم القطاع الزراعي والصناعي وتركيزها على القطاع السياحي؟ لم لا يستغرب اللبناني حالات القتل والسرقة التي ظهرت أخيراً في عدد من المناطق اللبنانية؟

    لم لا يستغرب اللبناني التدخل الخارجي في قراراتنا الداخلية، وفي حق تقرير مصيرنا؟ لم لا يستغرب اللبناني وجود استخبارات العالم على أراضيه وغياب الدولة عنها...

    لم لا يستغرب اللبناني كل ذلك؟

    لا يستغرب اللبناني تخلفنا في الرياضة (باستثناء بعض الانجازات الرياضية عام 2010) وحرمان الجمهور من مشاهدة المباريات في المدرجات. اللبناني لا يستغرب الطريقة التي يتعامل بها مع الآخر، فلا يستغرب مثلا ضربه خادمة أجنبية، أو تعاطيه بتعالٍ مع عمّال أجانب، أو نعته أحدهم بالأسود...

    لا يستغرب اللبناني صعوبة الزواج والانجاب وتحمل المسؤولية، لا يعرف أن طفله يتحمّل، منذ بدء تكوّنه في رحم أمه، آلاف الدولارات ديناً للحكومة. لا يستغرب اللبنانيون اطلاق الرصاص ابتهاجا بإطلالة بعض الزعماء على الشاشة.

    وعلى رغم كل ما تقدم، يبقى اللبناني متمسكاً بمبادئه وعاداته وتقاليده، حتى ولو مات من الجوع. ومهما تراكمت عليه الديون، ومهما قيل عنه أو كُتب، يبقى عفيفاً نظيفاً كريماً، بعيدا من المشاكل والتظاهرات المطالبة بخفض الأسعار والعيش بكرامة، حفاظا على الوحدة الوطنية، والتزاماً بما يقوله زعماء الطوائف اللبنانية.

    انهم اللبنانيون يستغربون كل ما يجري في العالم، ولا يستغربون فقرهم أو ديونهم أو ظروفهم المعيشية الصعبة أو حرب مقبلة تعيدهم الى الخلف آلاف السنين.

أرسل إلى صديق تعليق
تصغير الخط تكبير الخط

اضف تعليق

بريدك الإلكتروني لن يظهر علناً احتراماً للخصوصية