بيروت
°22 م
°21 م
مشمس
لندن
°21 م
°11 م
زخات مطر
الرياض
°40 م
°26 م
مشمس
 
Dow Jones Industr(10340.7)
NASDAQ Composite(2539.31)
FTSE 100(5366.8)
^CASE30(0)
USD to EUR(0.7701)
USD to GBP(0.6473)
أرسل إلى صديق تعليق
تصغير الخط تكبير الخط
  • بين اللبنانيين وأطفالهم هوّة كبيرة سببُها الأزمة الاقتصادية
    الخميس, 12 مايو 2011
    بيروت – فيرونيك أبو غزاله

    مئتان وثماني ساعات هي معدّل الوقت المخصّص للعمل بالنسبة إلى اللبنانيين في الشهر، باستثناء بعض موّظفي القطاع العام الذين يؤمنون ساعات عمل أقلّ، إذ تفرض الشركات الخاصة دوام عمل يمتدّ إلى 8 ساعات يومياً وفي بعض الأحيان يمكن أن يصل إلى 9 أو 10 ساعات بحسب طبيعة عمل المؤسسة.

    وباتت الأسر اللـبـنانيـة الـتي تكون فيها الزوجة من دون عمل نادرة إذ يحتاج الزوجان إلى التكاتف من أجل تأمين مدخول يسمح بالعيش بمستوى متوسط بسبب الأزمة الاقتصادية الخانقة والارتفاع المستمر للأسعار، لذا فإنّ الزوجين يقضيان وقتهما الأطول في العمل وهو أمر واقع يفرض عليهما حتّى ولو كان لديهما أولاد. وإذا كان الخبراء النفسيون يجدون أنّ العامل الرئيسي في تطوير شخصية الطفل هو الوقت الذي يقضيه مع والديه وتشجيعهم له ومساعدته عند الحاجة، فإنّ هذا المبدأ بات أشبه بأسطورة في لبنان حيث يكون الأهل أمام خيارين لا ثالث لهما: العمل لساعات طويلة من أجل تأمين لقمة العيش أو ملازمة أحد الزوجين للمنزل بهدف الاعتناء بالأولاد ما يتّرتب عنه عجز ماليّ وصعوبة فائقة في تأمين الحاجات الأساسية.

    الأوضاع المعيشية الصعبة التي تفرض نفسها على الأسـرة اللــبنانية، خصوصاً لدى الطبقة الوسطى التي باتت تلامس الطبقة الفقيرة أكثرـ فأكثر بسبب زيادة الضرائب وتضّخم الأسعار، تنعكـس سـلـباً على الأطـفال أولاً الذين يجدون أنفسهم غير محاطين بأهلهم عند حاجتهم إليهم. و تعبيرهم عن حزنهم تجاه هذه الحال يمكن أن يكون بوسائل مختلفة، فإمّا الاتجاه إلى اللهو والتسلية الدائمين من خلال الألعاب الإلكترونية أو قضاء الوقت خارج المنزل ما يقود إلى آفات خطيرة كتعاطي الكحول والمخدرات. إلا أنّ كلّ هذه التأثيرات السلبية لا تغيّر واقع أنّ الزوجة كما الرجل باتت محكومة بمنطق الدوام والحاجة إلى تأمين عدد ساعات معيّنة من العمل مهما كانت ظروفها أو حاجة أطفالها إليها كي تساند زوجها في دفع الفواتير في نهاية الشهر. إلا أنّ الأزمة الأسرية أكبر من ذلك، فلا يجد الأهل وقتاً لقضائه مع أطفالهم حتّى بعد عودتهم من العمل وهم يعانون من التعب والإرهاق ويجدون في التلفاز أو النوم سبيلاً للاسترخاء بعد يوم من العمل المجهد.

    وتخبر ريما، وهي تعمل في مجال المبيعات، عن تجربتها الأسرية الخاصة في هذا المجال، فتؤكد أنّها لا تقضي أكثر من 8 ساعات فعلياً مع أولادها خلال اليوم الواحد، إذ يبدأ دوام عملها عند الساعة العاشرة صباحاً وينتهي عند الساعة السابعة مساء. وتوقظ ريما أطفالها الثلاثة لتحضيرهم للذهاب إلى المدرسة وتوّضب منزلها خلال ساعتين كي تذهب إلى العمل، وعند عودتها تجد أطفالها تعبين ويريدون الذهاب إلى النوم، وتطلب ريما من أختها العزباء رعاية الأطفال لحين عودتها. أمّا العطلات الأسبوعية فلا تجد فيها ريما أو زوجها إلاّ وقتاً إضافياً لإنهاء بعض الأعمال المنزلية المتراكمة والاستراحة قليلاً بعيداً من أي إزعاج، لذا فإنّ النزهات العائلية ملغية من جدول نشاطات الأسرة التي تفرّقها ساعات العمل الطويل لكلا الأبوين.

    و«تقسيم الوقت» هو المفهوم الذي يرى المرشدون الاجتماعيون أنّه الحلّ المثاليّ لمشكلة الأسرة التي يعمل فيها الأبوان حيث يجب أن يجهدا لإيجاد الوقت لتمضيته مع أطفالهم. إلا أنّ هذا المفهوم يسخر منه اللبنانيون، ويقول جهاد، وهو أب لأربعة أطفال، وبدأت زوجته العمل منذ سنتين « إنّنا يجب أن نقسّم وقتنا بين العمل والعائلة، ولكن ما لا يدركه المرشدون والخبراء في شؤون الأسرة أنّ اللبنانيين لم يعد لديهم وقت في الأصل ليقوموا بتقسيمه».

    وجهاد، نموذج لأرباب الأسر اللبنانيين، يشغل وظيفتين إحداهما خلال النهار والأخرى بدوام ليليّ، ويعود إلى منزله عند الساعة الثانية من بعد نصف الليل ليغادر عند الساعة السابعة صباحاً. وبغضب كبير يردّ جهاد على كلّ من يتهمه بعدم التخصيص الوقت لأولاده بقوله: «إنّنا نعيش في بلد حيث يضطر الإنسان إلى تحصيل حقوقه كلّها بنفسه ولا ضمانات أبداً، فإذا كنتُ أريد أن أؤمن لقمة العيش لأربعة أطفال فلا بدّ من أن أعمل في وظيفتين وزوجتي تشغل وظيفة أيضاً». ومن خلال هذه الشهادة يُطرح تساؤل رئيسي: هل يمكن لوم الأهل على غيابهم بسبب وظائفهم؟ وهل يتحمّل الأهل وحدهم مسؤولية هذا الغياب؟ في لبنان يصعب إيجاد من يجيب عن هذه التساؤلات حيث تُترك الأسر من الطبقة الفقيرة أو الوسطى لمصيرها الواقعيّ ولتجد بنفسها حلولاً لأزماتها.

أرسل إلى صديق تعليق
تصغير الخط تكبير الخط

اضف تعليق

بريدك الإلكتروني لن يظهر علناً احتراماً للخصوصية