• 1315147913411448200.jpg
 
بيروت
°22 م
°21 م
مشمس
لندن
°21 م
°11 م
زخات مطر
الرياض
°40 م
°26 م
مشمس
 
Dow Jones Industr(10340.7)
NASDAQ Composite(2480.33)
FTSE 100(5205.43)
^CASE30(0)
USD to EUR(0.7071)
USD to GBP(0.6202)
أرسل إلى صديق تعليق
تصغير الخط تكبير الخط
  • رواية استبقت الأحداث ... غالية قباني تكشف «أسرارا وأكاذيب» تاريخية
    الإثنين, 22 أغسطس 2011
    نبيل سليمان

    في رأس العتبات الكثيرة لرواية غالية قباني الجديدة «أسرار وأكاذيب» (دار رياض الريس) تأتي العتبة الموقوفة على الكذب، حيث تقول الشخصية المحورية (انتصار) إن العالم كله يكذب، وساسته هم كهنة الكلام الملتوي والمعاني الحبلى بمعان أخرى. وإذ تنفي انتصار في هذه العتبة ـ المفتاح أن يكون الكذب عاراً خاصاً بعائلتها أو مدينتها، فهي تؤكد أن لكل عائلة كذباتها التي تروجها أمام الآخرين، فتصطنع تاريخاً يدعو للمباهاة، أو تخفي جزءاً منه، لأنه يحمل لها بعض العار.

    تعود انتصار إلى القول في «الكذب» في باطن الرواية، فتؤكد أن للكذب قوة يستمدها من التكرار، وهو يزاحم الحقيقة، ويشوه وجهها بطلاء أسود. ثم تنقفل الرواية بما يضاهي العتبة المذكورة، حيث تتواتر مقتطفات من كتب تتناول موضوعة الكذب، وهو ما يبدو، فضلة تثقل على الرواية في وداعها للقارئ.

    في عتبة أخرى، تهدي الكاتبةُ الرواية إلى أمها عائشة، وتنفي أي شبه للأم بإلفة الشماع، أي إن الكاتبة تنفي السيرية، أو تثبتها كما قد يحلو لمتبحر في علم النفس أن يستقرئ من مثل هذا النفي إثباتاً. وعلى أية حال، ليس هذا بالمهم، بل المهم هو ما بين الراوية انتصار ووالدتها إلفة الشماع، والمهم هو هذه الشخصية المحورية أيضاً، والتي تجلو سيرتها من السيرة السياسية السورية بخاصة، ما تجلو من الأسرار التي شكّلت عقد ومصائب العقود الأخيرة من القرن العشرين، ولم تزدد إلا عتواً واستفحالاً حتى عشية انفجار الاحتجاجات الشعبية المتواصلة في سورية منذ منتصف آذار الماضي.

    في سيرة انتصار، وما تحشد الرواية من ذكرياتها بالسرد أو بالتخليص، أن لها من الأسماء: انتصار سعيد الشماع التي تُنادى أيضاً بـ «نصرت»، كما صار لها اسم انتصار ميداني في لندن، نسبة إلى زوجها بسام ميداني، ولها اسم انتصار زياد الرفاعي نسبة إلى والدها الطبيعي اللواء زياد الرفاعي الذي قضى بحادث يلتبس باستشهاده في ما عرف في سورية بحرب الاستنزاف التي أعقبت حرب أكتوبر ـ تشرين الأول 1973، وامتدت حتى فصل القوات السورية الإسرائيلية في الجولان صيف 1974، وهو الفصل الذي لا يزال حياً يرزق حتى اليوم. أما سر انتساب انتصار إلى أبوين، فهو أن أباها الطبيعي تزوج سراً إلفة الـشـماع رفيقته الحزبية المتطوعة في الدفاع المدني في حرب 1967، ولم يتشرعن الزواج، فـسـتـرها بـعد رملتها ابن عمها سعيد الشماع، ثم تـزوجـت من الضابط الأمني الكبير العميد رسلان، بينما تدرجت هذه المفـتـشة الـتربـوية في الحزب الحاكم، حتى اختيرت عضوة في مجلس الشعب، لتملأ خانة الحضور النسائي الموالي في (البرلمان). ولا تني انتصار وهي تـسـتعيد سـيرة والدتها وحضورها في سيرتها هي، تعري ما تفسد الـسـلطـة في روح الأم، وجسدها، فما يجدي أن تعتذر بالنقود لابنتيها من زواجها الأول (انتصار وكندة) عن انشغالها عنهما بزوجها الثاني وبالـسـلطة؟

    تظهر الأم موسوسة بجسدها، وهي تسعى إلى أن تبقيه شاباً، يشبع جوع عيني زوجها العميد الذي تزوجها طلباً للوجاهة، وهو الريفي القادم من قرية جبلية بعيدة ـ تراها إشارة إلى أنه علوي؟ ـ أراد شرعية تؤهله للانتساب إلى المدينة. ومن المعلوم أن مثل هذه الشخصية قد ظهرت بحلل شتى في روايات سورية عدة.

    نهاية حياة

    ترى انتصار أن أمها شريكة أولى في قتل الحقيقة ودفنها، فهي عشيقة اللواء المرحوم برتبة زوجة سرية، والتي وجدت نفسها متورطة بالفضح بعد مصرع اللواء، فأبرزت عقد الزواج العرفي، لكن الزوجة الأولى للراحل، وابنه العشريني تصديا لها. وهذه الزوجة الشرعية من عائلة ينتمي عدد من أفرادها إلى «الجيش والحزب»، وابنها عنصر شاب صاعد «في وقت كان فيه حزبه يتسول العناصر الشابة»، لذلك خسرت إلفة الشماع المعركة. وسوف تنتهي حياتها بالتحجب والحج، وبلا وجاهة ولا قوة، ولكن بعدما ينتهي العميد رسلان شر نهاية، فيعود إلى القرية التي تعالى عليها، مثلما عاد أبطال روايات «الوباء» لهاني الراهب، و «فردوس الجنون» لأحمد يوسف داوود، و «لها مرايا» لسمر يزبك.

    وكان هذا العميد قد فتح خطوطاً مع جهات خارجية ليبيع معلومات قيمة، وربما كان قد أخذ يعمل لحسابه، فسقط منتحراً أو مقتولاً، وعاد جثة إلى أبنائه الذين أورث بعضهم الفساد والسطوة، بينما طُلب إلى عضوة مجلس الشعب أن تنسى المجلس. وليس كل ذلك سوى نزر هين من الغمر الأفدح مما تهتك رواية غالية قباني من أسرار وأكاذيب الحياة السورية. وهو ما يندفق فور تشغيل المفتاح الفني الذهبي للـرواية: الـبوح أمـام الكاميرا.

    في لندن تزوجت انتصار من بسام، صانع الأفلام الوثائقية الذي جعل التأميم والديه يغادران سورية إلى مدينة الضباب. وقد أقنع بسام الذي أنجب ولداً من زواج سابق ـ انتصار بالوقوف أمام الكاميرا، وحيدة، تعترف وتبوح لتخفف الضغوط التي تعاني منها منذ وصولها إلى لندن ـ المنفى الطوعي. ولئن أمضّها أن الرجل يريد أن يراقبها، مستخدماً التكنولوجيا الحديثة، إلا أنها تستجيب للعبة، وعبر ذلك يتبين ما تعني الكاميرا لبسام، فهو يتماهى مع جسدها، وهي ليست الوحش الذي ترهبه انتصار، وهي لا تكذب، وهي لسانه ومهنته ولعبته. ولسوف تدور الكاميرا طويلاً بينما انتصار أمامها تلف وتدور من دون أن تدخل في البوح الحقيقي. ولئن كانت أخيراً ستنتفض في وجه زوجها: «أنا امرأة تعيش معك ولست موضوعاً لوثائقياتك» إلا أنها ستكون قبل ذلك قد لعبت اللعبة كاملة، على رغم ما ترى من التعذيب النفسي في البوح أمام الكاميرا، والذي لا يشبه الحديث أمام طبيب نفسي يساعد في نكش التفاصيل.

    أربعة أشرطة

    بلعبة البوح أمام الكاميرا ينهض البناء الروائي في أربعة أشرطة تحل محل فصول أو أجزاء أو أقسام الرواية. وبتلك اللعبة يكون الماضي وفعل التذكر هما سداة الرواية ولحمتها، سواء ما تعلق من ذلك بالماضي السوري لانتصار، أو ما تلا منه في لندن. وبالتالي لن تكون إلا كذبة جديدة وخديعة ساذجة للنفس، إذ تحمد انتصار الله لأنها كانت منغمسة بالعالم المتخيل فقط، ولم تتورط بالقص الاعترافي. فانتصار تغرف مما تسميه بئرها الداخلي، فتظهر شخصيات الرواية، عدا عمن رأينا، ابتداء بالشقيقة كندة التي تزوجت من ابن تاجر شهير وشريك لأحد الرموز الكبيرة. وهنا أعجل إلى واحدة من لغات الرواية، هي ما سمته انتصار اللغة الأمنية، فأحد الرموز الكبيرة يعني في هذه اللغة رأساً سلطوياً كبيراً، وإلفة الشماع حين ساعدت ابن عمها على العمل في الدولة، أخذته «على كفالتها» أي أكدت للجهات الأمنية أنه لم ينتسب إلى الحزب الحاكم، لأنه خجول ولا يختلط مع الآخرين. وفلان رحمه الله (هبش هبشة منيحة) أي لهط من المال العام ما لهط، وهكذا صار للغة الأمنية عبر العقود الأمنية الزاهرة مفرداتها وتراكيبها وأمثالها واستعاراتها ومجازاتها وكناياتها.

    بين شخصيات الرواية من أبطال وضحايا الزمن الأمني المديد الزاهر، يتقدم ناصر، وهو أخو انتصار نصف الشقيق، والحبيب قبل أن تنكشف القربى، وتشهر سيف السفاح. وناصر الذي سيصير وزيراً، يطلب من انتصار أن تنسى الماضي مقابل أن يدبر السماح بعودتها إلى الوطن. وناصر هو ابن الضابط الذي لا تسميه الرواية، لكنها تسوق أنه شارك مرة في الانقضاض على السلطة القائمة، وكانت له حصة جيدة من الغنيمة، تسلمها على شكل منصب عسكري مرموق، ليتوفى بعد اثنتي عشرة سنة أثناء تفقده الوضع الأمني في لبنان في فترة الاجتياح الإسرائيلي. ومقابل ناصر تقدم الرواية آصف، حبيب انتصار اليساري، زميل الجامعة والريفي الساحلي (هل هي إشارة إلى أنه علوي؟). وقد كانت انتصار الطعم لاعتقال آصف ورفاقهما، ثم صار صحافياً بعد السجن. ومن الشخصيات غير السورية ترسم الرواية بحذق العجوز اليسارية إيفا، والمحامي ليزلي، وعاشقته ويتني. وتتصل هذه الشخصيات بسنوات انتصار في لندن، وقد تخفف تقديمها من وطأة التلخيص والوقفات السردية التلخيصية، والتي شكا منها تقديم شخصيات أخرى مثل الإيراني أمير، وجد إلفة الشماع، والخال عزيز الشـماع اللاجـئ السـياسي إلى مصر..

    لا تترك انتصار فرصة للنقد كي يكشف النسب المكين للعبة الرواية. فهي تذكر فيلم «جنس، أكاذيب وأشرطة فيديو» للسينمائي ستيفن سودبيرغ. لكن تبيئة انتصار للعبة عربياً وسورياً، جعل لها خصوصيتها، وأضاف نكهة خاصة إلى ما سبق لغالية قباني أن قدمته في القصة القصيرة، وفي الرواية، على ندرة، ولكن بامتياز دوماً.

أرسل إلى صديق تعليق
تصغير الخط تكبير الخط

اضف تعليق

بريدك الإلكتروني لن يظهر علناً احتراماً للخصوصية