• 1324222204085175000.jpg
 
بيروت
°22 م
°21 م
مشمس
لندن
°21 م
°11 م
زخات مطر
الرياض
°40 م
°26 م
مشمس
 
Dow Jones Industr(10340.7)
NASDAQ Composite(2555.33)
FTSE 100(5407.27)
^CASE30(0)
USD to EUR(0.7684)
USD to GBP(0.6451)
أرسل إلى صديق تعليق
تصغير الخط تكبير الخط
  • مصر التي في التحرير.. والأخرى البعيدة عنه
    الإثنين, 19 ديسيمبر 2011
    القاهرة - أمينة خيري

    صعدت الى المترو في محطة «السادات» (التحرير) وهي تحتضن ابنها التلميذ في الصف الثاني الإعدادي، تغطي عينه اليمنى بمنشفة ورقية مهلهلة، وتجفف دموعها بما تبقى من المنشفة. «الولد راح عند المجلس (مجلس الوزراء) من غير ما يقول لي، زوَّغ من المدرسة. والنتجية إنه أصيب في عينه». رتبت السيدة الجالسة إلى جوارها على كتفها ووجهت كلامها إلى الصغير: «عيب كده ياحبيبي، إنت مالك ومال التظاهرات والحاجات دي؟!».

    تنهيدة أو اثنتان تطلقهما السيدة قبل أن تعاود حديثها مع صديقتها عن فرح «شيماء» ابنة جارتها، وعريس ابنتها «أسماء»، وطبق الحلويات الشرقية الذي دفعت فيه «شيء وشويات».

    ولا يشوِّش الحديث الممتع سوى نهنهة الفتى المتوجع بين الحين والآخر جراء قذف الطوب في مربع مجلس الوزراء. مصران مختلفتان، وباقتان متناقضتان من الهموم، وقائمتان متباينتان من الأولويات ومصير واحد يجمع الأضداد في مصر في الأسبوع الثالث من الشهر الأخير للعام 2011.

    المتابع لشاشات الفضائيات وتعليقات «فايسبوك» وتغريدات «تويتر» يهيأ له أن ملايين المصريين لا يشغل بالها حالياً سوى المواجهات المزرية بين الصبية وبعض الثوار من جهة وقوات الجيش من جهة أخرى، لكن المتابع لشوارع القاهرة وميادينها يجد أن مصرين متوازيتين تسيران جنباً إلى جنب. فبينما تقف جمهرة من الشباب أمام مقر مجلس الوزراء في شارع القصر العيني على سبيل الاحتجاج على ما أسموه بالعنف المفرط ضد المعتمصين والمتظاهرين، تمر مجموعة أخرى من الشباب في طريقها إلى المحطة المجاورة للحاق بالمترو المتوجه إلى جامعة القاهرة.

    وبينما تقف فتاة على الناصية الاستراتيجية الواقعة بين شارعي القصر العيني والشيخ ريحان، وهي ترسل رسالة قصيرة عبر هاتفها المحمول لزملائها عن حال المجمع العلمي والدخان الذي ما زال يتصاعد منه والثروة التي تبخرت في هواء الفوضى، تقرأ فتاة أخرى لصديقتها الرسالة التي أرسلها لها خطيبها عن الورود والياسمين والقمر الساطع في السماء ولا يضاهيه في حلاوته وجماله سوى قمر آخر يتهادى على الأرض.

    وعلى الأرض حيث يتناحر مستخدمو الإنترنت إما على تنزيل مقاطع فيديو تثبت تورط أفراد من الجيش في ضرب وسحل متظاهرين أو على تحميل مقاطع يستخدمها المجلس العسكري دليلاً لإدانة الصبية الذين أحرقوا المجمع العلمي وألقوا «المولوتوف» على مبني مجلس الوزراء ومجلس الشعب، هناك من يتناحر على تحميل فيلمي «إكس لارج» و»سيما علي بابا» المعروضين حالياً في دور السينما، ولعبة «ثورة البشر» على الكمبيوتر، وأحدث الكليبات الممنوعة لنجمات السينما الهندية.

    ورغم أن ما يحدث على أرض الواقع، وتحديداً الأرض المتاخمة لمجلسي الوزراء والشعب ومربع الوزارات، أقوى بكثير مما يحدث في الأفلام الهندية، ورغم انغماس برامج الـ»توك شو» حتى أذنيها في غياهب تلك الأحداث وإفساحها ساعات بثها تماماً لتوجيه الاتهامات يميناً ويساراً والسماح لنفسها بالقيام بدور المحقق والقاضي، إلا أن قنوات وبرامج أخرى ترفع مع مشاهديها راية «العمل كالمعتاد». فها هي مباريات الأسبوع السابع للدوري الممتاز تقام كعادتها وتتبعها الملايين كالمعتاد وينهمك المحللون والخبراء الكرويون في تحليل الهجمات وضربات الجزاء كما هي العادة. صحيح أن مباراة فريقي المصري والزمالك التي كان مقرراً إجراؤها أمس الأحد تأجلت «في ظل الظروف التي تمر بها البلاد حالياً» حسب ما جاء في قرار اتحاد الكرة، إلا أن هذا لم يوقف عجلة لعب بقية المباريات.

    مباريات الكرَّ والفرِّ التي تجري رحاها في مربع ميدان التحرير وشارع القصر العيني تهيمن على نشرات الأخبار والتحليلات التي تليها. هذه التحليلات يمكن سماعها على مدار الساعة تنبع من داخل آلاف السيارات والباصات المتصارعة هي الأخرى في الشوارع تحت وطأة الازدحام، لكن سامعيها ليسوا جميعاً من الثوار، فمنهم من هو في طريقه إلى عمله، ومنهم من في طريقه للبحث عن عمل، ومنهم من في طريقه إلى هذه الفضائية أو تلك يحاول اختزان أكبر كمٍّ ممكن مما يسمعه بهدف إعادة تدويره بطريقته الخاصة أثناء استضافته في «توك شو» هنا أو برنامج حواري هناك، لينتهي منه ويعود أدراجه لاصطحاب ابنته من المدرسة، ثم دعوة زوجته إلى العشاء، ثم التجهيز للكتابة عن يوم جديد في مصرين مختلفتين، وباقتين متناقضتين من الهموم، وقائمتين متباينتين في الأولويات ومصير واحد يجمع الكل.

أرسل إلى صديق تعليق
تصغير الخط تكبير الخط

اضف تعليق

بريدك الإلكتروني لن يظهر علناً احتراماً للخصوصية